مواجهة الفساد في مصر: العرض مستمر والنتيجة محدودة

لجنة الأراضي تسترد مساحات كبيرة من رموز نظام مبارك.
الأربعاء 2021/04/21
أزمة ثقة

دخلت الحكومة المصرية في مواجهة جديدة مع مكافحة الفساد ومطاردة المتهمين باستغلال النفوذ والحصول على أراض بغير وجه حق من المنتمين إلى نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وذلك بتفعيل نظام التصالح مقابل ردها، حيث تم الاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي. وتأمل الحكومة في اجتثاث الظاهرة التي باتت تحديا مستمرا خاصة مع انتشار مخالفات البناء والرشاوى في العشوائيات.

القاهرة - تعكس حالات الفساد التي يتم الإعلان عنها في مصر من وقت لآخر واقعا عامت عليه البلاد خلال ثلاثة عقود من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي اتهمه البعض بتوزيع أراض كثيرة على فئة بعينها، ظهرت تجلياتها تدريجيا بعد زوال نظامه منذ نحو عقد من الزمن.

ووافقت اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات في الخارج على التصالح مع محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق، ومحمد مجدي حسين راسخ الذي تزوج ابنته علاء حسني مبارك مقابل سداد نحو 86 مليون دولار. ومن أشهر القضايا أيضا التصالح مع حسين سالم مهندس تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، حيث كان يسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي في مدينة شرم الشيخ التي كانت مقر مبارك خلال فصل الشتاء، مقابل سداد نحو 320 مليون دولار.

وكشفت الضربات المتتالية التي توجهها هيئة الرقابة الإدارية لبؤر الفساد والمسؤولين المرتشين خلال الفترة الماضية عن إرادة سياسية حقيقية وقوية لمواجهة الفساد واقتلاعه من جذوره، وعيا بتكلفته الاقتصادية باهظة الثمن.

وأكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في تصريحات سابقة على ضرورة مواجهة الفساد بكل حزم، مشددا على أن “جميع العاملين في الدولة مهما كانت مناصبهم وبدون استثناء سواء أمام القانون”.

حيتان البلديات

قدري إسماعيل: التصالح مع الفاسدين مقابل دفع الأموال حل لاسترداد حق الشعب
قدري إسماعيل: التصالح مع الفاسدين مقابل دفع الأموال حل لاسترداد حق الشعب

أدت سيطرة فئات بعينها على الأراضي المتميزة إلى عشوائية التخطيط، وجرى وضع المصالح الخاصة فوق مصالح الشعب، ما زاد من تركز السكان داخل القاهرة والمدن الكبرى، بدلا من محاولة إعادة توزيع السكان من أجل إعمار الصحراء.

ورغم الجهود الحثيثة لقطع دابر الفساد، إلا أن مواجهة رموز نظام حكم مبارك ليست الحل الوحيد لاجتثاثه، فالتحدي الحقيقي يكمن في الفئات التي تعمل في الخفاء والتي ما زالت ترسم ملامح الفساد، وتعمل خلف الستار، وتكشفت الكثير من ملامحها خلال مواجهة الحكومة لأزمة مخالفات البناء.

وأعلن مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء المصري عن تحويل عدد من موظفي المحليات إلى النيابة العامة، بعد أن تكشفت حيلهم وأصبحوا “حيتان” المخالفات، في إشارة إلى تضخم ثرواتهم عبر السماح لكبار المخالفين ببناء أبراج سكنية بدون ترخيص مقابل الحصول على رشاوى.

وتكشف أرقام وزارة التنمية المحلية أن مصر كانت تعوم على بحور من الفساد، وأن قدرات العوائد المبدئية للتصالح في جرائم التعدي على أراضي الدولة تبلغ نحو مليار دولار، منها 187.2 ألف فدان بالصحراء ونحو 5.7 مليون متر مربع لأراض صالحة للبناء، وهذا المبلغ يعد الفارق بين القيمة الحقيقية حاليا والقيمة وقت التعدي على الأراضي.

وتعد هذه الحصيلة جزءا من قيمة الفساد الذي يخص التصالح مع 25 ألف طلب، من إجمالي عدد الطلبات الذي يصل إلى 190 ألف طلب وبنسبة تصل إلى نحو 13 في المئة فقط.

وأكد اللواء محمود شعراوي وزير التنمية المحلية تمسك الدولة بسيادة القانون ورفض كافة أشكال وصور الفساد وترسيخ قيم النزاهة والشفافية في عناصر الجهاز الإداري.

وفي محاولة للتصدي للفساد من المنبع طبقت وزارة التنمية المحلية نظاما لرقمنة المعاملات في المحليات والتي يطلق عليها أيضا البلديات، وهى تعج بالفساد، ومن خلالها تم فصل طالب الخدمة عن مقدمها وتدريب العاملين عليها للحد من معدلات الفساد داخل الوحدات المحلية.

وأدخلت مصر خدمة الشباك الواحد للتعامل مع المواطنين في عدد من الهيئات وتم تدعيمه بكاميرات مراقبة بهدف تحسين الرقابة على الأداء ومنع الرشاوى والفساد.

ويرتبط الفساد دائما بالإصلاحات التي تطبقها الحكومات، فكلما كانت الخدمات رقمية انحصرت معها معدلات الفساد، لأنها تسهم في تطويقه.

وتتراجع مؤشرات الفساد دائما في الدول التي قطعت شوطا كبيرا في تقديم الخدمات لمواطنيها إلكترونيا، لذلك أصبحت دول الخليج العربي خارج حسابات منظمة الشفافية الدولية والتي تعنى بإصدار مؤشرات الفساد.

في المقابل تتصاعد وتيرة المؤشرات السلبية في باقي المنطقة العربية التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة تضمن من خلالها تجفيف منابع الفساد، ومواجهة المرتشين الذين يستنزفون ثروات الأفراد مقابل الإيهام بإنهاء الخدمات بسهولة إلى درجة أن دفع الرشوة يكاد يتحول إلى أسلوب حياة في كثير من الأجهزة البيروقراطية.

ودشنت القاهرة مؤخرا أول مركز للبنية المعلوماتية المكانية لرصد مخالفات البناء والتعدي على الأراضي والرقعة الزراعية، ومتابعة المشروعات والاستثمارات الحكومية، باستخدام التكنولوجيا الرقمية التي تتابع حركة البناء والتشييد عبر الأقمار الصناعية.

وأدى تراكم عشوائيات البناء خلال العقود الماضية إلى دخول الحكومة المصرية في مواجهة مع المواطنين نتيجة تفشي فساد البلديات.

مواصفة الفساد

1

مليار دولار عوائد التصالح مع 25 ألف مواطن في جرائم التعدي على أراضي الدولة

تستعد القاهرة لإطلاق أول مواصفة قياسية مصرية لمكافحة الفساد والرشوة، تحت مسمي “أيزو 37001” بالتعاون مع منظمة التقييس الدولية.

تضمن المواصفة الجديدة الحد من الفساد لأنها تتطلب تطبيق إجراءات في جميع الهيئات التي ترغب في الحصول عليها وعدم تحكم فرد واحد في جميع إجراءات الحصول على الخدمة، لذلك تعد أداة فاعلة لمنع وتقليل مخاطر الرشوة داخل أي منشأة سواء حكومية أو خاصة.

وتخطط منظمة التقييس الدولية لتطبيق هذه المواصفة في عدد من هيئات التفتيش الوطنية بدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومن بينها مصر والأردن وفلسطين وتونس والجزائر والمغرب كنواة لتشجيع باقي المنشآت في الدول العربية علي تطبيقها.

ويعد الحصول على المواصفة رسالة إيجابية للمؤسسات والهيئات الحاصلة على تلك العلامة، لكونها تطبق نظما تمنع الفساد من المنبع.

وقدرت منظمة الشفافية الدولية حجم الأموال المنهوبة نتيجة الفساد في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن بنحو 165 مليار دولار من جانب أنظمة الحكم التي أطاحت بها ثورات الربيع العربي، نتيجة تفشي الفساد وغياب الشفافية.

وقالت المنظمة إن هذه الأموال المنهوبة استعملت من قبل المسؤولين السابقين وعائلاتهم للصرف على السيارات الفارهة والبيوت الخارجية لتعزيز سلطتهم.

ويعد الفساد من التحديات الرئيسية التي تعرقل جهود التنمية الاقتصادية المستدامة ويسهم في تقويض قدرة الحكومة على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، فضلا عن كونه طاردا لمناخ الاستثمار.

وتأتي مصر في المركز 117 في مؤشر الشفافية الدولية ضمن قائمة تضم 180 دولة، فيما تقدر المنظمة نسبة الشفافية فيها بنحو 32 في المئة.

وتعلي المواصفة الجديدة قيم السلوك الوظيفي وتبني جميع مبادئ المسؤولية المجتمعية بكافة المنشآت الوطنية الحكومية وغير الحكومية من شفافية ومساءلة واحترام سيادة القانون.

وأكد قدري إسماعيل عميد كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الإسكندرية أن “السياسة التي تتبعها الدولة بالتصالح مع الفاسدين مقابل استرداد الأموال تعد الأنسب، فأي فرد أو رجل أعمال يشعر بأنه سيتم حبسه لن يتصالح وإذا كان خارج البلاد سيظل هاربا، أما إذا سُمح له بشراء حريته مقابل رد الأموال للدولة فلن يتأخر”.

وأضاف لـ”العرب” أن “الأحوال الاقتصادية الحالية والسياسة التي تنتهجها الدولة في تطوير الريف والتنمية المجتمعية تؤكد أن التصالح مقابل استرداد الأموال هي السياسة الأنسب، لأنه لا فائدة من حبس المتهمين بالفساد على المجتمع وأفراده”.

وأوضح أن “التصالح مع رجال الأعمال وفق الآلية الحالية قد تكون الوسيلة الأنسب لعودة الهاربين من الخارج”، وفي تقديره فإن هذه السياسة من شأنها أن تزيد الثقة بين الأفراد والحكومة.

الثورة العقارية

رشاد عبده: الفساد عمق الظلم الاجتماعي مقابل رفاهية فئات قريبة من السلطة
رشاد عبده: الفساد عمق الظلم الاجتماعي مقابل رفاهية فئات قريبة من السلطة

تسبب غياب الرقابة عبر العقود الماضية في تفاقم أزمات مصر، حيث فقدت على مدار أربعين عاما نحو 400 ألف فدان من أجود وأخصب الأراضي الزراعية في دلتا ووادي النيل، منها 90 ألفا خلال الفترة من عام 2011 حتى العام الحالي.

وتعكف القاهرة اليوم على تطبيق منظومة جديدة لحصر الثروة العقارية من خلال إصدار رقم قومي لكل وحدة عقارية ما يضمن عدم تداول أي عقار بدون شهادة الرقم القومي الخاصة به، بما يعزز حصر الأراضي والعقارات بشكل دقيق.

تتمثل أهمية هذه الخطوة ليس في حصر الوحدات العقارية فحسب، بل يمكن من خلال الرقم القومي الجديد تتبع عمليات انتقال ملكية الوحدات وحركات بيعها، وتضمن هذه الخطوة متابعة حركة التصرفات المرتبة بالثروة العقارية وتسهم أيضا في حفظ الملكيات، وتأمين المواطنين من عمليات النصب والاحتيال.

وتبني مصر آمالا على النظام الجديد في الحفاظ على الرقعة الزراعية التي تآكلت وتسببت في تراجع الإنتاج، واتجاه القاهرة لاستيراد غذائها من الخارج.

وتسهم تلك الخطوة في كشف ومحاربة مليارديرات الظل الذين يعملون في الخفاء لصالح رموز الفساد دون أية رقابة ويسهمون في تفشي الرشاوى في البلديات.

وأشار رشاد عبده رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية إلى أن تأسيس لجنة استرداد الأموال وأراضي الدولة كانت أولى لبنات مواجهة الفساد في مصر، فالقضاء عليه يحتاج منظومة واضحة المعالم ومحددة الأهداف، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بكيان مدعوم من أعلى سلطة في البلاد.

وتابع لـ”العرب” أن “الفساد في العقود الماضية تسبب في ظلم اجتماعي لشرائح كبيرة من الشعب مقابل رفاهية للفئات القريبة من السلطة، وفيما تكشفت قمة جبل الفساد لكنه يظل موجودا ويحتاج إلى مواجهة وتتبع مستمر لكافة سلاسله المنتشرة من أجل رد الحقوق للشعب الذي نهبت ثرواته”.

ويصعب أن تحقق مصر تنمية تضمن عدالة اجتماعية واقتصادية لمواطنيها إلا من خلال مواجهة حقيقية تستهدف اجتثاث الفساد من جذوره، ما يضمن توزيع عادل للثروة والدخل، وتوفير خدمات للفئات المهمشة في الريف والمناطق النائية لتخفيف معاناتهم.

وأعدت مصر إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، وشكلت لجنة رئاسية تستمد قوتها من أنها تأتي تنفيذا للمادة 218 من الدستور المصري التي تنص على التزام الدولة بمكافحة الفساد.

وتقوم الإستراتيجية على ثلاثة محاور هى إصدار القوانين واللوائح التي من شأنها مكافحة الفساد وتمكين الجهات الرقابية والقضائية القائمة على إنفاذ الإستراتيجية، والإرادة الحقيقية من قِبل القيادة السياسية لمكافحة الفساد، وهذا المحور هو المحرٌك للمحورين الآخرين. وقد أدرجت الأمم المتحدة خطة مكافحة الفساد ضمن أهم الممارسات في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته بمصر.

Thumbnail

وكان من ثمار الإستراتيجية إصدار مجموعة تشريعات قادرة على تنظيم الجهاز الإداري للدولة ومحاربة الفساد، منها قانون الخدمة المدنية الذي ساهم بشكل كبير في إصلاح نظم التعيين والتقييم والترقية لموظفي الدولة، وإصدار قانون منع تضارب المصالح للموظفين الحكوميين وميكنة إقرارات الذمة المالية بجانب العمل على نشر قيم النزاهة والشفافية.

وأطلق السيسي المرحلة الثانية للإستراتيجية والتي تمتد حتى عام 2022، لتحقيق أهداف جديدة لمكافحة الفساد عبر إنشاء هيئة إدارية فعالة، وتوفير خدمات عالية الجودة، وتفعيل آليات الشفافية والنزاهة في الوحدات الحكومية.

وبعد نحو ست سنوات من إطلاق الإستراتيجية كشفت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد وهيئة الرقابة الإدارية القائمة على تنفيذ الخطة عن تنفيذ ما يقرب من 70 في المئة من محاور المرحلة الثانية للقضاء على الظاهرة.

وقامت هيئة الرقابة الإدارية بتنظيم ماراتون قومي للجري والدرجات في جميع المحافظات تحت شعار “متحدون على محاربة الفساد.. مصر أقوى من الفساد”.

وعززت الحكومة جهودها للارتقاء بمستوى أداء الجهاز الحكومي وتحسين الخدمات بإدخال الرقمنة في تقديم الخدمات كنوع من أنواع مكافحة الفساد.

وتعتمد مصر على الرقمنة لمواجهة حالات الفساد في المنظومة الضريبية، حيث وقعت مصلحة الضرائب العامة وصندوق التأمين الاجتماعي بروتوكول تعاون لتبادل المعلومات والبيانات للحد من ظاهرة التهرب الضريبي، وتطبيق نظام مركزي لميكنة وثائق الزواج والطلاق وشهادات الميلاد.

وضبطت الرقابة الإدارية في العامين الماضين عددا من رؤساء مصالح الضرائب متلبسين بتقاضي رشاوى من أصحاب شركات لمساعدتهم في التهرب الضريبي.

ومع هذه الجهود سيظل إرساء مبادئ الشفافية والنزاهة في كافة عناصر المنظومة الإدارية من أهم إجراءات مواجهة الفساد، فضلا أهمية التوعية المستمرة لنشر هذه القيم. وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه الحكومة المصرية للقضاء على منظومة الفساد المتشعبة، وعدم حرمان الدولة من عوائد مالية كبيرة.

12