مواجهة اللاتسامح تبدأ من العقل العربي نحو العالمية

تعد التلازمية بين مقاومة الخطاب الاستعماري الغربي المركزي والعقلانية العربية في نقد التراث الإسلامي وإنشاء إطار إنساني لتثمين المشترك اليوم، أهم مدخل لمقاومة حالة اللاتسامح التي تعيشها الإنسانية في هذه المرحلة نتيجة العولمة المتوحّشة. وقد تم التطرق بأكثر تفاصيل خلال ندوة “الإسلام في مرآة الآخر: الصور والتمثلات” والتي قامت بتنظيمها مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالعاصمة تونس.
الخميس 2016/02/04
مواجهة اللاتسامح تبدأ من الذات

تونس - انطلقت الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس بتحديد النقاط المنهجية التي تؤطر مسألة صورة الإسلام لدى الآخر الحضاري. وقد سعى المتدخلون إلى الالتزام بمعالجة حالة اللاتسامح التي تمر بها الإنسانية عبر مدخلين: أولهما أن النزعة الاستعمارية للغرب لا تزال قائمة، والغرب يتبع في ذلك استراتيجية خطابية مشحونة تحمّل العالم المسلم مسؤولية كبرى بخصوص أمن الإنسانية والعالم، عبر إلباس المسلمين صفات تاريخية غير واقعية وغير صحيحة. أما المدخل الثاني لفهم وتحليل الخلل في إرساء السلام العالمي فقد كان العرب أنفسهم، أي التراث الديني واللغوي والعادات والتقاليد التي يمكن أن تكون محركا لآلة الدعاية الغربية لاستعمالها ضد المنطقة الحضارية الممتدة من غرب أفريقيا إلى تخوم خراسان.

انطلقت أستاذة الفلسفة بالجامعة التونسية فوزية ضيف الله بتفكيك خطاب الغرب في فترة ما بعد الحرب الباردة ووصولا إلى أحداث الـ11 من سبتمبر 2001، وأكدت ضيف الله في مداخلتها أن خطاب الولايات المتحدة الأميركية بني أساسا في بداية التسعينات على التحريض السياسي ضد العرب، وخاصة كلما ظهر هجوم ما يتهدد العراق في تلك الفترة. وقد حرص السياسيون في أميركا على الدمج بين الإسلام كدين والعرب كقومية في البداية، ثم ربط الخطاب المتطرف الذي استقاه الاتصاليون من الحركات الإسلامية (الإخوان والقاعدة وغيرهما) بالعرب، ليخرج العرب في الصورة النهائية على أنهم “الشر المطلق”. وقد أرجعت ضيف الله هذا الخلط المتعمّد في الخطاب إلى النزعة الاستعمارية الدائمة.

وقد وصل التحريض الأميركي أقصاه في أحداث الـ11 من سبتمبر والتي كانت نتاجا لضغط إعلامي عال على المنطقة العربية ككل والمسلمين خصوصا، وأكدت الباحثة التونسية في هذا السياق، أن “أحداث سبتمبر 2001 كانت آلية عبقرية للطغيان على العقل العالمي عبر الصورة والإعلام والخطاب”، مشيرة إلى أن الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في حوار له بعيد تلك الأحداث أكد أن “الإعلام والسياسيين الأميركيين والغرب يعطون انطباعا على أن الحدث مهم وخطير، لكنه ليس سوى وهم سيميائي للهيمنة على العقل المشاهد وتحويل العالم إلى وليمة أمام الانتقام الأميركي”.

التلازمية بين البعد العالمي والعربي في مقاومة اللاتسامح، تمثل المدخل لفهم طبيعة المقاومة الحضارية للتوحش

وأضافت ضيف الله أن جاك دريدا ذهب بعيدا في تحليل اللاتسامح في العالم اليوم، وأكدت أن الفيلسوف الفرنسي لا يزال إلى اليوم متمسكا بمشروع الفيلسوف كانط الذي يدعو إلى “السلام العالمي” دون تجزئة. وقالت ضيف الله إن الفلسفة لها دور محوري وهام في إقامة أسوار حول القيم الإنسانية لحمايتها من هدم العولمة.

المدخل الثاني في تحليل وعلاج ظاهرة اللاتسامح، وبعد أن حمّلت الباحثة في الفلسفة فوزية ضيف الله جزءا منها للخطاب الغربي المركزي والعنصري، يكمن في نقد التراث الديني الإسلامي في ذاته، “فهو مدخل للتعرف إلى مكامن الضعف الداخلي والخلل المنهجي في قراءة التراث وتفسير القرآن وتأويله”، بحسب قول حافظ قويعة أستاذ الإسلاميات بالجامعة التونسية.

وأضاف قويعة أن رؤية الآخر للإسلام على أنه دين متطرف لا تخرج أيضا عن إطار النص الديني ذاته، “فبعض المستشرقين يعتقدون أن الإسلام دين شهوة وتوحش” وهم بذلك يغالطون الرأي العام الغربي من جهة، ومن جهة ثانية فإن وجهة نظرتهم هذه “انتقائية، لأنهم لم يختاروا سوى التأويلات والتفسيرات المتطرفة والمتعسّفة على الإسلام ليحكموا من خلالها على كل المسلمين”. ولفت حافظ قويعة إلى أن بعض المستشرقين وصل بهم الأمر إلى حد تسمية الإسلامية “بالمحمدية” أي اعتبارها تيارا شبه سياسي تم وضع أسسه من قبل محمد بن عبدالله، “وواقع الأمر غير ذلك بالمرة”.

وسلط الباحث في الإسلاميات الضوء في مداخلته على ضرورة القيام بحملة مضادة للرد على كل هذه الإدعاءات، مشيرا إلى أن هناك فعلا بعض الردود التي صدرت والتي أدت بالباحثين إلى مراجعة التراث العربي الإسلامي في العديد من المواضع، حتى أنهم عثروا بمناسبة الردود على مواضع الخلل في ذلك التراث، وتفطنوا إلى أن العديد من التأويلات للنص القرآني المقدس كانت قد أعطت وجها غير حضاري ولا متسامح في السياق الإنساني. وقد فرضت هذه الاجتهادات في التراث على العديد من الكتاب والنقاد القيام بفتح ورشات تفكير لإصلاح ذات البين بين التراث الإسلامي والإنسان والواقع المعيش في الوقت الحاضر.

وقد توج هذا الجزء من ندوة مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” حول “الإسلام في مرآة الآخر: الصور والتمثلات” بالتشديد على التلازمية بين البعد العالمي في مقاومة اللاتسامح عبر الدعوة إلى عقلانية تواصلية كونية تحترم الحدود بين مكونات الإنسانية، وواقع خال من النزعات الاستعمارية وتبرير الاعتداء، وبين البعد الداخلي العربي المسؤول على نقد التراث الديني الإسلامي وإخراج الفهم الديني من الدوائر الضيّقة التي زج به فيها عبر الخرافة والتطرف. وبذلك تتضافر العوامل الداخلية والخارجية لإنتاج نظام كوني صالح للتعايش بين الإنسان والإنسان.

13