مواجهة المتآمرين على مصر

الخميس 2013/08/22

كعادتها، انطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة من ثوابتها السياسية والإنسانية تجاه ما تشهده مصر من محاولات لإدخالها في نفق العنف المظلم من جانب جماعة الإخوان المسلمين. ومن المؤكد أن هذا الموقف المبدئي الصلب لدولة الإمارات، ومواقف المملكة السعودية والكويت والبحرين والأردن وبعض القوى العالمية الأخرى، قد حالت دون إراقة مزيد من الدماء في الدولة العربية الكبرى، وأجهضت المخططات الإجرامية لتحويل مصر إلى ساحة للمجازر في ظل غطاء من الفتاوى الدينية الزائفة، والتغطية الإعلامية التحريضية التي تُذكي نار الفتنة، والتحالفات الإقليمية المشبوهة، والتواطؤ من جانب قوى دولية كبرى ترى أن إغراق المنطقة في الفوضى يحقق مصالحها.

لقد تصدت دولة الإمارات وشقيقاتها، لمخططات الفوضى بصلابة، إعلاء لمنطق الدولة ومصلحة المصريين ومصلحة الشعوب العربية جميعها، في بقاء مصر قوية وموحدة ومتماسكة، في مواجهة أعمال إرهابية جُهزت لها الأسلحة وكُدِّست يوماً بعد يوم، وتصاعدت فيها دعوات الكراهية والقتل والتهديد بحرق مصر وتقسيمها على ألسنة قادة جماعة الإخوان وحلفائها.

دعمت دولة الإمارات وشقيقاتها كل الوساطات التي حاولت احتواء أزمة الاعتصامات بشكل سلمي حقناً للدماء، وعاينت صبر الدولة المصرية طويلاً على الحشود التي كانت ستاراً للاستعداد للعنف وتجهيز كل ما يلزم من أجله، ومحاولة إخوانية لتعطيل الاقتصاد المصري وإنهاكه في هذا الوقت الحرج بعد أن تكفلت سياسات الجماعة خلال عام واحد من وجودها في السلطة بإضعافه وإيقافه على شفا الانهيار.

إلى اللحظة الأخيرة كانت السلطات المصرية تدعو إلى الخروج الآمن، وتحاول تجنب المواجهة، لكن جماعة الإخوان لم تكن ترى لها موضع قدم في الحياة السياسية المصرية إلا بإشعال فتنة تأكل الأخضر واليابس، عبر إجبار السلطات الأمنية على خوض مواجهة دموية تستثمرها قنوات الفتنة، كالجزيرة وأخواتها، في مزيد من التحريض والتباكي، وتستغلها دول مثل قطر وتركيا للدعوة إلى إجراءات متفق عليها ضد مصر وشعبها، وتدعمهما أميركا التي يبدو أنها ترى في تحويل وجهة الجهاديين إلى بلد مثل مصر حماية لها من شرهم.

فالمعركة على أرض مصر، باتساعها وعنفها المتوقع يمكن أن تشغل الإرهابيين سنين طويلة، لتتجنب الولايات المتحدة عناء مواجهتهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في كل أنحاء العالم.

وفي ظل غطاء «حقوق الإنسان» الزائف تصدِّر أميركا مشكلتها إلى الدولة العربية الكبرى، فيما تشعر تركيا بأنها تستعيد بقايا النفوذ الإمبراطوري العثماني المتوهم، وتداوي جراح نبذ الاتحاد الأوروبي لها بعد وقوفها طويلاً على عتبات الاستجداء والاستعطاء، وتنتقم لكرامتها المهدورة على بابه بمحاولتها خلق مجال للتأثير في الجوار العربي والإسلامي.

كذلك تواصل قطر لعبتها العبثية التي تُرضي جوعاً مرضياً إلى الإحساس بـ»التأثير» والدور الكبير، دون مراعاة لعواقب هذا «العبث» السياسي وتداعياته على المنطقة وعليها هي نفسها، ودون أن تتنبه إلى أن محاولاتها شق الصف الخليجي بتصرفات تفتقر إلى الرشد ستزج بقطر في مآزق هي في غنى عنها.

من المثير للدهشة، أن تتطابق مواقف الولايات المتحدة وتركيا وقطر وطالبان وتنظيم القاعدة حول الأحداث في مصر، وأن تتعامى أميركا عن حقيقة أن محمد الظواهري، شقيق أيمن الظواهري، الذي اعتقلته السلطات المصرية، هو من يقود الحرب الإرهابية في سيناء وغيرها ضد المصريين، وأنه وجماعته كانوا ولا يزالون يهددون مصالح الولايات المتحدة والعالم بما يمارسون من إرهاب لا يستثني أحداً.

وكعادته، اعتلى يوسف القرضاوي منبر الفتنة، وأصدر فتاواه التي تستصرخ التدخل الأجنبي وتحرّض المصري على أخيه المصري وتتباكى بكاء التماسيح على قتلى شارك هو نفسه في تضليلهم وقادهم إلى حتفهم، دون أن يلقي بالاً للجماعات الإرهابية التي تعيث في الأرض فساداً، وتلقي بالصبية من فوق الأسطح، وتقتل الآمنين وتمثل بجثثهم، وتطلق النار على الواقفين في الشرفات، وتذبح الجنود مقيدي الأيدي دون رحمة، وتتباهى بأسلحتها الآلية والثقيلة في وسط القاهرة وأمام كاميرات التلفزة في العالم كله.

لقد استجابت دولة الإمارات وشقيقاتها لخيارات الشعب المصري الذي خرج ثلاثون مليوناً من أبنائه في الثلاثين من يونيو ليعبروا عن رفضهم لحكم جماعة الإخوان المسلمين الفاشلة، ولم يكن أمام الجيش المصري الوطني إلا أن يُنْفذ إرادة الشعب ويوقف حمامات الدماء التي كان يمكن أن تسيل لو واجهت جماعة الإخوان المسلمين هذه المظاهرات بعنفها المعهود.

وكرر الشعب موقفه في السادس والعشرين من يوليو، حين طلب وزير الدفاع تفويضاً من الشعب لمحاربة الإرهاب، فخرج هذه المرة ما يزيد على ثلاثة وثلاثين مليوناً في كل مكان من مصر في رسالة أكثر وضوحاً.

وحين تأخر فض الاعتصام كان الشعب يعبِّر عن غضبه ويدعو قادته إلى التصرف بحزم، فيما كانت القيادات السياسية والأمنية تحاول اتّقاء المواجهة بكل ما تملك من صبر وحلم.

لقد حال موقف دولة الإمارات وشقيقاتها العربيات دون سقوط المزيد من الدم المصري، ولعبت الجهود الدبلوماسية والدعم السياسي والاقتصادي للسلطات المصرية الدور الأهم في إيقاف مخططات حرق مصر. فقد كان أي تردد كفيلاً بترك الساحة للمغامرين الذين امتلكتهم أوهام تعظيم الدور أو أوهام استعادة الإمبراطوريات المتحللة، وللراغبين في نقل المعركة الإرهابية إلى أرض أخرى لامتصاص طاقات الإرهابيين واستنزافهم في حرب لا يعلم أحد متى ستنتهي، وكذلك لدول أوروبا التي ستنظر إلى القتل المتبادل وقد مطت شفتيها امتعاضاً من الجميع، وفي عقلها الجمعي شعور بأن ما يجري يؤكد تفوقها، ويرسخ الفروق بينها وبين العرب.

9