مواجهة الموت بالموسيقى من شارع اليرموك إلى شوارع برلين

الأحد 2015/11/22
أيهم أحمد في جولة عزف في شارع بمخيم اليرموك ذكرت الناس بموسيقيي سراييفو خلال الحرب

من على أرصفة المخيم الفلسطيني المحاصر صدح صوت الموسيقى من بعيد، يتعجّب السائل من هذا الجمال في زحمة الموت والدمار، فتجيب أنامل العازف الفلسطيني أيهم أحمد، الأنامل الّتي توحّدت مع مفاتيح البيانو، تلك التي عشقت الحياة وأبت أن تغادر سموفنية العشق الطويلة لأرض مخيم اليرموك في سوريا، الأرض التي بالإمكان ملاحظة ملامح فلسطين بين أزقتها، في الشوارع، وفي تعب الملامح.

أيهم أحمد أن تتوحد مع الموسيقى، أن تنحاز للجمال، أن تقتات الحلم والأمل في حضرة الجوع والموت والدمار، ألا تغادر إلا عندما يحترق البيانو ويمسي ذكرى…

في فضول للبحث عن تفاصيل الوجع والحلم، كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الموسيقي أيهم أحمد:

إثر سؤاله عن البداية وعن تفتّق الموهبة الموسيقية لديه، كان والده ووالدته حاضرين تماما وكأنّهما سرّه الذي يشتاق كثيرا للإفصاح عنه. يقول: بدأت ملامح الموسيقى الأولى ترتسم في داخلي بعد أن آمن والداي بي وكانا الملهمين والمشجّعين الحقيقيين لي ولموسيقاي، في الخامسة من عمري اصطحبني والدي ومعلّمي إلى المعهد العربي للموسيقى، وقدمت فحص قبول لأُقبل وأكون أول عازف بيانو في مخيم اليرموك.

حدّثني أيهم أحمد بحرقة وغصّة عن يومياته في مخيم اليرموك أثناء الحصار قال: كانت اليوميّات في مخيم اليرموك خلال الحصار سيئة جدا، المخيم بلا طعام وبلا ماء، 450 يوما بلا كهرباء، 760 يوما والدواء مفقود والحالة الإنسانية متردية للغاية… يبدأ النهار بجلب الماء، تستمر الحالة لعدّة ساعات حوالي ثلاث أو أربع ساعات، ومن ثمّ جلب الحطب وتجميع الحشائش لأكلها.

يضيف: من أصعب المواقف الإنسانية التي عايشتها وحفرت عميقا في الروح، أن أجد طفليّ الصغيرين أحمد وكنان دون حليب ودون طعام، وليس بإمكاني فعل شيء.. وحينما كنت أرتعد خوفا على عائلتي أثناء القصف المتواصل الذي لا يتوقف، أذكر أن زوجتي ولدت طفلي كنان بولادة قيصرية صعبة وكانت كمية المخدر محدودة، كنت خائفا جدا، لكن كل هذا لم يثنني عن تعليم الأطفال الغناء والموسيقى في اليرموك.

عن البيانو والعزف على الطرقات وفوق الرّكام في المخيم المحاصر يتحدث أيهم أحمد بشغف مضاعف فيقول: بدأ الحصار على مخيم اليرموك فوجدت نفسي مع البيانو في الشوارع المدمّرة أعزف للأطفال، يخيّل لي أنه بذلك أحميهم من الحرب وأسرق بسمة صغيرة لأجلهم؛ كنا نجتمع سوية ونغني للأمل من فوق الركام، نغني لفلسطين وسوريا وللمطالبة بالطعام والماء وبحياة أفضل لسكان اليرموك.

أيهم أحمد كان مصرّا من قبل على البقاء في مخيم اليرموك، وبالسؤال عن قرار الرحيل والمغادرة واللجوء إلى ألمانيا، يجيب:

غادرت المخيم بعد فقدان البيانو خاصّتي، وإحراقه، عندما حُرق البيانو حُرق قلبي وذكرياتي معه، وضاع الأمل في عودة الحياة إلى اليرموك، فآثرت الخروج لأكون صوت الحصار وصوت المحاصرين من ألمانيا علّني أجد صدى لكل تلك المعاناة وأُسمعُ صوت من لا صوت لهم بعدما أصمّ العالم آذانه عن المقهورين والمضطهدين، في الحقيقة ليس لديّ سوى موسيقاي وأرنو إلى أن أجد من يسمع.

في الحديث عن رحلة اللجوء إلى أوروبا التي قطعها هو وعشرات الآلاف من السوريين والفلسطينيين الذين شقّوا الدرب الطويل إلى أوروبا يبحثون عن أمل في الحياة يعلّق:

كانت رحلة طويلة وصعبة جدا، خرجت من اليرموك إلى دمشق ومنها إلى الحدود التركية، ثم إلى إزمير فاليونان، كان الموت يلاحقني في كل لحظة من الرحلة، كان هناك الكثير من تجار الموت وتجار البشر المنتشرين على الطريق، كنّا أفواجا لا تنتهي من المهاجرين، وفي غالب الأحيان كنّا لا نعرف الوجهة القادمة إلى أين، بعد العناء الطويل وصلت أخيرا إلى ألمانيا في رحلة أقلّ ما يقال عنها “رحلة للموت”.

لا زال أيهم أحمد رغم كل المعاناة التي عاصرها يحتفظ بمخيم اليرموك في حقيبته وذاكرته ووجدانه، يأخذه معه أينما حلّ وأينما ارتحل، يغنيه في حفلاته بألمانيا، ينشده كأيقونة، ينحاز جدا إليه على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك”، ويذيل أغلب بوستاته بـ”هنا اليرموك”.

تحدثت مع أيهم عن شعوره الآن، هو الذي اختبر التغريبة الشامية الجديدة في سؤال عن “الشتات القادم إلى أين؟”.

يقول: أشعر بخوف شديد على عائلتي التي ما زالت في المخيم الفلسطيني تختبر جلّ أنواع العذاب، أنا حزين جدّا لأجلهم، وأتمنى أن يأتوا هنا إلى ألمانيا حتى أشعر بالاطمئنان عليهم. أطالب المجتمع الدولي بإنقاذ عائلتي، أبي وأمي وأطفالي وزوجتي وكل من بقي في مخيم اليرموك والذين يقدرون بخمسة آلاف فلسطيني وسوري.

عن مشاريعه وخططه القادمة في ألمانيا يتحدث أحمد:

الآن أرجئ كل المشاريع حتى أشعر بالاطمئنان على عائلتي، إثر ذلك أخطط للكثير كإنشاء كورال صغير للمهجرين من سوريا والغناء لأجل سوريا، وتكوين أوركيسترا من الشباب السوري الرائع الذي درس في المعهد العالي للموسيقى وكلية التربية الموسيقية والموجود الآن في ألمانيا، وأيضا إنتاج عمل موسيقي لمخيم اليرموك بعنوان “أوبريت اليرموك”.

لدي الكثير من المشاريع، وأحلم أن أكون حنجرة المحاصرين والمقهورين، حنجرة فلسطين وسوريا. سألت أحمد عن الحراك الفلسطيني الآن في الأرض المحتلة، وعن ملامح الانتفاضة الفلسطينية الثالثة. يقول: أؤيد الحراك جدا وأدعو الفلسطينيين أن يعبّروا عن قضيتهم ويوصلوها إلى العالم بالقلم وبالموسيقى وبالفن.

عن رسالة أيهم أحمد الفنان والموسيقي الفلسطيني الذي اختبر الشّتات والحرب والمعاناة والّلجوء يقول: رسالتي أن أوصل صوت الإنسان الفلسطيني إلى العالم، هذا الإنسان الذي يبغض الموت، ويكره الحرب ويكره الدمار، الإنسان الذي يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا، الذي يبحث عن الأمل والحلم والفرح من بين الركام، الذي ينشد السلام ويثور ويعبر عن موقفه بأسلوب سلمي، الإنسان الذي يختار دوما النهوض من جديد، الذي ينتصر للضوء مهما اشتدّت العتمة، رسالتي أن أوصل صوته من على المسرح وبموسيقاي، وأن يسمعه العالم.

وعن حلمه قال: أحلم بغد أفضل لسوريا وللسوريين هذا الشعب العظيم الذي عانى الكثير ولا يزال صامدا حتى هذه اللحظة، الشعب السوري يستحق هذا الأفضل وحتما سيصل إليه في يوم من الأيام.

كاتبة من مصر

14