مواجهة "داعش" في ضوء "صدام الحضارات"

الثلاثاء 2014/10/14
احتجاجات في فرنسا ضد أعمال "داعش"

ورد مصطلح “صدام الحضارات” لأول مرة في مقال للمفكّر والمستشرق الأميركي برنارد لويس بعنوان “جذور الغضب الإسلامي” عام 1990، وسرعان ما أُعجبَ المفكّر صامويل هنتنغتون بهذا المصطلح فوضعه عنوانا لمقال نشره عام 1993. جاء مقاله إكمالا وإعجابا لما طرحه فرنسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”. وبعد ثلاث سنوات أصدر هنتنغتون كتابه الشهير “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” عام 1996، لكن الولادة الكبرى للكتاب كانت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي أحدثت زلزالا في العلاقات بين الشرق (المسلم) والغرب (المسيحي).

لم تذهب الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أفغانستان والعراق بالطائرات والدبابات فقط، بل ذهبت مسلّحة بنظريات سياسية جديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة، نظريات صاغها كبار المفكّرين والمستشرقين المقرّبين من دوائر صنع القرار الأميركية.

ويمكن فهمُ “الحرب على الإرهاب” من المنظور الغربي، أو “المؤامرة على الإسلام” من المنظور الشرقي، في ضوء نظرية “صدام الحضارات” التي تقسّم العالم إلى أقطاب حضارية، بدلا من الأقطاب الإيديولوجية التي سادت في فترة الحرب الباردة.

ويقصد هنتنتغتون بالحضارة “الكيان الثقافي الأوسع، وفيه يعرِّف الناس عن أنفسهم بالنسب والدين واللغة والتاريخ والقيم والعادات والمؤسسات الاجتماعية”. ويرى أن الحروب القادمة ستكون بين الأمم المختلفة حضاريا، وستصبح خطوط التماسّ بين الحضارات هي خطوط النزاع بينها. وهنا ستعود الحدود الفاصلة بين العالَمين الشرقي والغربي إلى ما كانت عليه خلال القرون الوسطى، مع أن العالم أكثر تعقيدا من أنْ يُقسَّم إلى شرق وغرب.

في قمة دول حلف الناتو التي انعقدتْ في ويلز يوم 4 /9 /2014، كان الرئيس الأميركي سعيدا بتشكيل تحالف من عشر دول غربية لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ولا تكمن أهمية هذا التحالف في كون الولايات المتحدة بحاجة إلى مساعدة عسكرية من أحد، بل تكمن أهميته في توحيد الموقف الغربي ضد خطر خارجي يقع في منطقة الشرق الأوسط.

وهذه الوحدة الغربية هي أولى توصيات هنتنغتون لحفظ مصالح الغرب. كما تظهر ملامح إجماع عند الغرب (الأميركي- الأوروبي) على ضرورة تسليح المقاتلين الأكراد في العراق، وتسليح الجيش السوري الحر في سوريا، للمشاركة البرية في الحرب ضد “داعش”. وهذه ثانية توصيات هنتنغتون لحفظ مصالح الغرب “دعم الجماعات التي تتعاطف مع قيم الغرب”، ويقصد هنتنغتون بقيم الغرب: الديمقراطية والليبرالبية وحقوق الإنسان، ولا يقصد ماضيه الاستعماري أو الصليبي.

وحتى يخرج الشرق من نظرية “المؤامرة على الإسلام”، وهي نوع من مرض البارانويا انتقل من حالات فردية إلى الحالة الجمعية، وحتى يخرج الغرب من حالة “الإسلاموفوبيا” التي تظهر واضحة في مخاوف لويس وهنتنغتون من الإسلام (وكلا الحالتين تغذّي الأخرى)، يجب علينا أن نكون أكثر فاعلية وجدية في معالجة مشكلاتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، وعلى رأسها ظاهرة الإرهاب التي أصبحتْ مرتبطة، شكلانيا، بالتشدّد الإسلامي.

إعلان "داعش" الكاريكاتوري عن قيام "دولة الخلافة" أكبر إساءة للمسلمين

وأن نعي بأن المسلمين هم أكثر المتضرّرين من ظاهرة “داعش”، وبكلام آخر، “داعش” هي أكبر عدوّ للإسلام، وكان إعلانها الكاريكاتوري عن قيام “دولة الخلافة” أكبرَ إساءة لتاريخ المسلمين وحاضرهم ومستقبلهم.

للقضاء على ظاهرة “داعش”، ينبغي على الشرق (المسلم) قبل الغرب (المسيحي)، وبالتعاون معه، العمل على ثلاثة مستويات متوازية: (مواجهة الخطر المُحْدِق- معالجة الأسباب المباشرة- معالجة الأسباب غير المباشرة).

من حيث مواجهة الخطر المحدق الذي يمثله تنظيم “الدولة الإسلامية”، كانت استضافة المملكة العربية السعودية لمؤتمر جدة يوم 11 /9 /2014، بعد أنْ تبرّعتْ بمبلغ 100 مليون دولار لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، خطوة متقدّمة لكسر الجمود والثنائية بين الشرق والغرب، ورسالة مفادها أن لا وجودَ لحاضنة شعبية لـ “داعش” في المنطقة، فهو تنظيم فرض نفسه بالقوة والعنف والإرهاب.

ونشيد أيضا بمواقف الدول العربية والإسلامية التي شاركت في مؤتمر جدّة، والتي تشارك في التحالف الدولي ضدّ “داعش”، على ألّا تنسى الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، أنّ سياساتِها الداخلية والخارجية تعتبر من أهمّ مسبّبات ظهور “داعش”.

من حيث معالجة الأسباب المباشرة، يجب الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة في العراق، حكومة لا تقصي السنّة ولا تهمّشهم، كما فعلتْ حكومة نوري المالكي سابقا. وكذلك الإسراع بفرض تسوية سياسية في سوريا، وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات وفقا لبيان “جنيف1”، لكي تقود المرحلة الانتقالية بعد نظام الأسد (الراعي الأول للإرهاب في المنطقة).

ومن الأسباب المباشرة أيضا لظهور “داعش”، التدخل الإيراني في الدول العربية، والمحاولات الإيرانية المستمرة لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها، عبر تشكيلها لميليشيات طائفية متطرّفة، ينتمي أفرادها إلى ولاية الفقيه، بدلاً من أنْ ينتموا إلى الدول العربية التي يحملون جنسيّاتها.

أما الأسباب غير المباشرة، فهي العقود الطويلة من حكم أنظمة الاستبداد العربية، وهي إما أنظمة دينية أو أنظمة عسكرية تستخدم الدين لتحقيق مصالحها، وبالتالي لا مخرج للبلدان العربية من أزماتها إلا بإعادة السلطة إلى يد الشعب، الشعب المهمّش والمظلوم والمقهور منذ عقود طويلة، ليختار ممثليه في نظام ديمقراطي تعدّدي يحترم حقوق الإنسان وكرامته. ومن ثم يأتي دورُ المؤسسات التعليمية والثقافية، في إعادة تأويل النصّ الديني تأويلا جديدا، وربطه بظروفه الزمانية والمكانية. وكذلك إعادة قراءة التاريخ العربي- الإسلامي قراءة صحيحة، وتخليصه من صور التنميق والتلميع والتقديس المحيطة به.

إن الفكر الذي لا يتطوّر، يصبح خارج الزمن. ومن الممكن دائما، أن تنتج عنه ظواهر خارجة عن مفاهيم العصر، وخارجة عن تصوّرات العقل.

7