مواجهة شبح الشعبوية العنصرية في السويد

في مناخات تنامي النزعات الشعبوية العنصرية، تعطى الأولوية للتوافقات الوطنية التي من شأنها إبعاد البلاد عن أزمات كارثية، تتقاطع بدرجات مختلفة مع تلك التي شهدتها أوروبا في بدايات القرن المنصرم.
الأربعاء 2019/01/23
حكومة لوفين لن تكون مطلقة اليد

وأخيرا، وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على صدور نتائج الانتخابات السويدية التي كانت في أوائل شهر سبتمبر 2018، تمكنت مجموعة من الأحزاب السويدية من اختراق حدود التحالفات الأيديولوجية التقليدية، وتوصلت إلى توافقات تمهّد لتشكيل حكومة تعد سابقة في التاريخ السويدي السياسي. حكومة تضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب البيئة، بدعم من الحزب الليبرالي وحزب الوسط/ المركز البرجوازيين من ناحية، وحزب اليسار ذي الأصول الشيوعية من ناحية ثانية.

لقد تم الوصول إلى هذه الخطوة بعد سلسلة طويلة متداخلة من المباحثات والمماحكات السياسية، والمفاوضات المتوازية بين التحالف البرجوازي الذي كان يضم بالإضافة إلى الحزبين المذكورين، حزب المحافظين والحزب الديمقراطي المسيحي، والتحالف الأحمر- الأخضر الذي كان يضم كلا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البيئة، ويحصل على دعم معلن من جانب حزب اليسار.

وكانت المشكلة المستعصية تتمثل في حقيقة عدم حصول أي تحالف على الأغلبية الكافية التي تؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده. لذلك كانت الخيارات هي التالية:

إمّا تشكيل حكومة من تحالف البرجوازيين بقيادة أولف كريسترسون -زعيم حزب المحافظين أكبر أحزاب التحالف البرجوازي- وبدعم من حزب ديمقراطيي السويد الشعبوي اليميني المتطرف.

وإما تشكيل حكومة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البيئة، بدعم من الحزب الليبرالي وحزب الوسط، إلى جانب بدعم حزب اليسار.

أما الخيار الثالث، فقد كان خيار الذهاب إلى انتخابات جديدة، لم تكن نتائجها المتوقعة مبشرة بالنسبة إلى معظم الأحزاب التقليدية ما عدا حزب ديمقراطيي السويد، الذي كانت الاستطلاعات تشير إلى إمكانية حصوله على المزيد من الأصوات، وذلك في أجواء تنامي النزعة الشعبوية القومية في أوروبا، والولايات المتحدة الأميركية، وأميركا اللاتينية، ومناطق أخرى من العالم.

تحديات جديدة
تحديات جديدة

وكان من اللافت أن حزبَيْ المحافظين والديمقراطي المسيحي كانا من أكثر المتحمسين لتجاوز إشكالية مقاطعة حزب ديمقراطيي السويد، الأمر الذي يستشف منه وجود إمكانية لتشكيل تحالف مستقبلي بين هذه الأحزاب، والعمل من أجل الحصول على الأغلبية البرلمانية في انتخابات 2022. وأمر كهذا لو حدث ستكون له تبعات سلبية ليس على الواقع السويدي فحسب، بل على الدول الأسكندينافية بأسرها التي تعتبر السويد الشقيقة الكبرى بالنسبة لها. وهذه الدول معروفة، كما نعلم، بأنظمتها الاجتماعية المتقدمة، وحرصها على التعامل الإيجابي مع القضايا الإنسانية، ودعمها لشعوب العالم المغلوبة على أمرها، واستقبالها، ولا سيما السويد، لأعداد كبيرة من اللاجئين الذين تحولت قضيتهم إلى قضية رأي عام داخلية محورية استغلها حزب ديمقراطيي السويد بقوة في حملاته الدعائية، وذلك ضمن إطار سياسته المناهضة لسياسات الحكومة أثناء انتخابات 2018.

وكان الأمر الذي يستوقف في الجلسة التي عقدها البرلمان السويدي من أجل التصويت على تكليف ستيفان لوفين، زعيم الحزب الاشتراكي، بمهمة تشكيل الحكومة، هو ما أفصح عنه يان بيورك لوند زعيم الحزب الليبرالي، وهو أنهم كانوا بين خيارين غير مرغوبين بالنسبة إليهم: إمّا الموافقة على حكومة برجوازية بدعم واضح من حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرف، وهو الخيار الذي استبعدوه، وإمّا الموافقة على تشكيل حكومة حمراء- خضراء لا يرغبون فيها عادة.

وهو الخيار الذي اضطروا إلى الموافقة عليه مقابل التوافق على جملة من القضايا التي تتناول خفض الضرائب، ورفع القيود الخاصة بالأجور وإجراء تعديلات في قوانين العمل. وهي قضايا تدخل في عداد أهداف الأحزاب البرجوازية. وهذا معناه باختصار أن السياسة الاقتصادية الداخلية التي ستعتمدها الحكومة ستكون برجوازية الطابع، وهذا ما أثار حفيظة اليسار، ودفع به نحو التهديد بالتصويت لصالح حجب الثقة عن الحكومة في حال إقدامها على صياغة بعض القوانين التي من شأنها حجب الامتيازات التي حصلت عليها، في ما مضى، الشرائح الضعيفة في المجتمع.

وفي المقابل، يهدد الحزبان البرجوازيان اللذان غادرا تحالفهما، رفضا لإعطاء أي دور للتيار الشعبوي اليميني المتطرف، بأنهما من جهتهما سيحجبان الثقة عن الحكومة في حال إخلالها بما تم التوافق عليه.

وهذا فحواه أن حكومة لوفين المنتظرة لن تكون مرتاحة أبدا، ولن تكون مطلقة اليد. فهي ملزمة بالمحافظة على التوازن الصعب، إن لم نقل المستحيل، بين مطالب البرجوازيين واليساريين. وهي مهمة ليست سهلة رغم الإمكانيات التفاوضية والقدرات المناوراتية التي يتميز بها لوفين، وهي خبرات اكتسبها من عمله الطويل في ميدان النقابات.

وما يسجل للوفين في هذا المجال هو تمكنه من إقناع البرجوازيين واليساريين في الوقت ذاته بضرورة البحث في القضايا الملموسة، والتوافق حول كل قضية على حدة، وذلك خارج السياق الأيديولوجي الذي يرسم الحدود، ويقلص من إمكانية التوافقات. وتوجه كهذا يدخل في باب القطيعة مع الأيديولوجيا، والتركيز على الوضعية المشخصة التي تهم المواطنين ككل، بصرف النظر عن أوضاعهم الطبقية وانتماءاتهم المجتمعية.

ففي مناخات تنامي النزعات الشعبوية العنصرية، تعطى الأولوية للتوافقات الوطنية التي من شأنها إبعاد البلاد عن أزمات كارثية، تتقاطع بدرجات مختلفة مع تلك التي شهدتها أوروبا في بدايات القرن الماضي. وهي الأزمات التي أدت إلى حربين عالميتين، مازالت الذاكرة الأوروبية تنوء تحت ثقل أعباء نتائجهما المأساوية.

لقد تمكنت السويد حاليا من تجاوز أزمتها السياسية غير المسبوقة على مستوى البلاد، لتستعد لأزمة اقتصادية محتملة على الصعيد العالمي، وربما على المستوى الداخلي. ولكن الأهم من هذا وذاك هو العمل على تحصين نسيجها المجتمعي الوطني الذي أثرت الهجرة كثيرا في بنيته والأدوار الوظيفية لمكوناته راهنا، وتلقي بظلالها على الاحتمالات المتوقعة مستقبلا. فعدد المسلمين على سبيل المثال يزيد على النصف مليون، واللغة العربية هي اللغة الثانية من ناحية عدد الناطقين بها بعد السويدية. هذا إلى جانب الأديان والثقافات واللغات القومية الأخرى.

إنها مرحلة جديدة تعيشها السويد، تفرض على قواها السياسية تحديات جديدة، ومقاربات متباينة بطبيعة الحال لمعالجة مخاطر الإسلاموفوبيا والتشدد الديني، وتصاعد النزعة القومية في صيغها العنصرية.

هل ستتمكن القوى العقلانية السويدية من إبعاد مجتمعها عن سموم التعصب القومي والديني، ولامسؤولية التيارات الشعبوية؟

سؤال ليس من السهل الإجابة عنه. ولكن المعطيات جميعها تؤكد أن المخاطر جدية، وعملية تجاوزها تستوجب تحملا وصبرا وقدرة استثنائية في ميدان الاعتراف بالآخر المختلف واحترامه، هذا فضلا عن ضرورة تضافر الجهود، وتجاوز النزعات الفردية أو الجمعية، المتعطشة إلى السلطة وامتيازاتها.

9