مواجهة مفتوحة بين الحكومة الجزائرية ولوبيات المال باسم بوتفليقة

تسير حالة الاستقطاب بين لوبيات المال والسياسة من جهة، وحكومة عبدالمجيد تبون، نحو مواجهة مفتوحة، يرشح لأن تشهد خلال الأسابيع المقبلة المزيد من الجولات الحادة، في حين يبقى الرأي العام الداخلي يتطلع إلى موقف من الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، باعتبار أن كل طرف يدير حربه باسم برنامج رئيس الجمهورية.
الخميس 2017/07/20
تبون يعلن الحرب

الجزائر - دخل الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبدالمجيد سيدي سعيد، على خط الأزمة المشتعلة بين تنظيم منتدى رؤساء المؤسسات الذي يرأسه رجل الأعمال علي حداد، وبين حكومة عبدالمجيد تبون.

وأبدى سيدي سعيد التضامن والدعم من لحداد من خلال جر البعض من الشركاء الاجتماعيين لمساندة تنظيم رجال الأعمال.

وتفاجأ مراقبون في الجزائر، لموقف سيدي سعيد، كونه الأمين العام الذي قضى ما يقارب العقدين، على رأس أكبر تنظيم نقابي تاريخي.

واعتبروه خرقا للتقاليد النقابية والعمالية، كونه لأول مرة في تاريخ النقابة الموالية للسلطة، يتحالف شركاء اجتماعيون مع منظمات أرباب العمل، في صراعها المصلحي مع الحكومة، وتصبّ ولو شكليا في صالح المكتسبات الاجتماعية والعمومية.

وفي وثيقة اطلعت عليها “العرب”، ندد ما يعرف بـ”أعضاء العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي للنمو” بما اسموه “المعاملة غير اللائقة” التي تعرض لها حداد، من طرف تبون، حيث أمر عناصر التشريفات بإخراج الرجل من لقاء احتضنته المدرسة العليا للضمان الاجتماعي السبت الماضي.

وكانت رئيس الفدرالية الوطنية للمؤسسات سعيدة نغزة، قد أكدت لـ”العرب”، خبر إخراج حداد من اجتماع المدرسة العليا للضمان الاجتماعي، بإيعاز من تبون. وقالت “صحيح كنت حاضرة إلى جانب العديد من المدعوين، وكان علي حداد من بين الحضور، ورأيت عناصر البرتوكول يأمرونه بمغادرة القاعة”.

وذكرت الوثيقة التي حملت توقيع حداد، وسبع نقابات منضوية تحت لواء المركزية النقابية، بأن “الحكمة والتعقل تجعلانا نعتقد لحد اللحظة أن هذا يعتبر ضربة خنجر في التوافق الذي بني بصعوبة والذي سيتضرر بتصرف تبون، ويمس بروح وبمحتوى العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي للنمو”.

مراقبون يرجحون لجوء قيادة المركزية النقابية لتوظيف الأزمة الاقتصادية، لتأليب قواعدها العمالية على حكومة تبون

وأضافت “لكن لا زلنا نعتقد أن الحوار يضمن وسيضمن للجزائر دائما وأبدا السلم والاستقرار الاجتماعيين، ورغم ما حدث نبقى عازمين على مواصلة الحوار الاجتماعي في إطار الاحترام المتبادل، خدمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي يتضمنها برنامج رئيس الجمهورية”.

وجدّد الموقّعون على الوثيقة، تمسكهم ما أسموه بـ”أرضية العقد الوطني، والوفاء التام لشخص للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة”.

وتمسك سيدي سعيد بدعم حداد قائلا “من يستهدف علي حداد، فكأنما يستهدفني أنا أيضا”، وهي اللهجة التي تنمّ عن تحالف مُناف لتقاليد التنافر بين الشركاء الاجتماعيين وأرباب العمل، ويخفي تحالفا مريبا بين التناقضات.

ولم يستبعد مراقبون، أن تلجأ قيادة المركزية النقابية إلى توظيف ظروف وتداعيات الأزمة الاقتصادية على الجبهة الاجتماعية، لتأليب قواعدها العمالية، في شكل احتجاجات وإضرابات، من أجل الضغط على الحكومة للتراجع عن توجهاتها المناوئة لمصالح رجال الأعمال.

وبات الرأي العام المحلي، يتطلع إلى موقف من بوتفليقة، لتوضيح موقفه من المواجهة المفتوحة بين أركان معسكر السلطة، بعدما تبنت جميع الأطراف خوض القبضة الحديدية باسمه.

فكما تحدث أرباب العمل والشركاء الاجتماعيون عن إبرام العقد الوطني باسم بوتفليقة، فتح رئيس الوزراء السابق عبدالمالك سلال، أبواب الاقتصاد المحلي أمامهم باسم بوتفليقة كذلك، وباسم بوتفليقة أيضا يخوض رئيس الحكومة الجديد حربا على المال السياسي.

وكان تبون، أعلن عن مراجعة العديد من الملفات التي ظلت طيلة السنوات الماضية تحت قبضة لوبي رجال الأعمال بقيادة علي حداد.

وألغى قرارا وقّعه سلال حول توزيع العقار الزراعي والمزارع النموذجية، وأمر بإعادة النظر في مشروع تركيب السيارات الذي هيمن عليه منتسبو منتدى رؤساء المؤسسات.

ويرجح مراقبون أن تكون الإنذارات التي وجهتها مختلف الدوائر الحكومية لمجمع رجل الأعمال علي حداد، بسبب تأخر ورشاته في إنجاز العديد من المشروعات، والتهديد بسحبها منه، الفتيل الذي أشعل المواجهة بين لوبي المال والسياسة مع الحكومة.

ويرشح المشهد الداخلي لجولات صراع حادة للضغط على توجهات رئيس الوزراء.

وكان الصعود اللافت لحداد في محيط السلطة، أثار تساؤلات كثيرة لدى المتابعين للشأن الجزائري، خاصة بعد توسّع نفوذه في مفاصل ومؤسسات الدولة منذ العام 2014.

وأصبح له نشاط سياسي ودبلوماسي من اختصاص الحكومة والمؤسسات، وتحوّل مكتبه إلى وجهة شبه رسمية، يستقبل فيها السفراء والوزراء والفاعلين في مختلف القطاعات الرسمية وغير الرسمية.

وظل حداد إلى غاية الانتخابات التشريعية التي جرت في مايو الماضي، يمثّل الذراع المالية للسلطة وأحد الحلقات المهمة الدائرة بقصر المرادية، وصاحب نفوذ كبير في توجيه سياسة الحكومة وتسمية الوزراء والمسؤولين الكبار في المؤسسات الرسمية.

وساهمت سلسلة الفضائح التي كشف عنها من أحد المواقع الإلكترونية، المتعلقة بممارسات فساد نسبتها لشخصيات ورجال أعمال، في تعزيز موقف تبون وتوسيع شعبيته لدى الجزائريين.

ومازال الغموض يكتنف توجهه المناهض للوبيات المال السياسي، ومدى قدرته على الصمود أمام ما صار يعرف بـ”الدولة العميقة” المُشَكَّلة في ظرف قياسي، بعد نهاية نفوذ جهاز الاستخبارات.

وقال وزير الخزينة السابق ورئيس حزب نداء الوطن علي بن واري، إن التحوّل الأخير، يعكس رغبة النظام في تغيير واجهته بالتضحية ببعض الأذرع التي ساهمت في تشويه صورته، من أجل استعادة شعبيته.

4