موازنة سودانية متحفظة لمواجهة انفلات الأزمات

وزير المالية والاقتصاد في الحكومة الانتقالية يكشف عن عجز في موازنة العام المقبل يصل لـ1.62 مليار دولار.
الثلاثاء 2019/12/31
إعادة ترتيب أولويات الإنفاق

ترجمت الموازنة السودانية الجديدة عمق الفجوة المالية في الاقتصاد السوداني بنسبة عجز قياسية تنذر بصعوبة معالجة التوازنات المالية للبلاد، التي تعاني من تركة ثقيلة خلفتها عقود من حكم الرئيس السابق عمر البشير وتجاذبات سياسية.

الخرطوم - أطلق خبراء اقتصاد صفارات الإنذار من عمق الأزمات الاقتصادية التي تواجه الحكومة السودانية وطالبوا بضرورة اتخاذ إصلاحات عاجلة بعد إعلان أرقام الموازنة العامة للعام المقبل، التي أظهرت تزايد حاجة البلاد إلى زيادة الإنفاق دون وجود موارد لتغطية العجز.

وأعلنت الحكومة أمس عن إقرار الميزانية خلال اجتماع لمجلس السيادة، الذي يتولى الحكم ومجلس الوزراء، وهي أول ميزانية للحكومة الانتقالية.

وكشف وزير المالية والاقتصاد في الحكومة الانتقالية إبراهيم البدوي أن موازنة العام المقبل تتضمن عجزا يصل إلى 1.62 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 3.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية حادة.

وقال البدوي إن الإيرادات المتوقعة في الموازنة تبلغ نحو 27.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يعادل الإنفاق نحو 30.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

إبراهيم البدوي: العجز يبقى في الحدود الآمنة ولا مساس بدعم المواد الأساسية
إبراهيم البدوي: العجز يبقى في الحدود الآمنة ولا مساس بدعم المواد الأساسية

وخفف البدوي من خطورة العجز بقوله إنه يبقى “في الحدود الآمنة وإن الموازنة تبشر بالسلام وتركز على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية”.

وتعكس هذه النسبة زيادة طفيفة في العجز عن العام الماضي الذي بلغ فيه نحو 3.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ويواجه الاقتصاد السوداني أزمة حادة تعود جزئيا إلى حظر اقتصادي أميركي على خلفية اتهام واشنطن النظام السابق برئاسة عمر البشير بتقديم دعم لتنظيمات إسلامية متطرفة بينها تنظيم القاعدة.

ومع أنّ الولايات المتحدة رفعت في عام 2017 الحظر الاقتصادي الذي فرضته طوال عقدين على السودان، إلّا أن البلد لا يزال مدرجا على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

ولم تلغ العقوبات رغم الإطاحة بالبشير في 11 أبريل الماضي تحت ضغط حركة احتجاجية غير مسبوقة.

وأدت هذه العقوبات إلى استحالة التعاملات المالية الدولية حيث منعت الاستثمارات الأجنبية بما أن الأجانب يتفادون تنفيذ مشاريع في جهات محظورة.

وتبلغ نسبة التضخم السنوي في السودان حاليا 60 بالمئة بحسب أرقام رسمية، في ظل تراجع سعر العملة المحلية وتلاشي احتياطات العملات الأجنبية.

وتظهر ميزانية العام المقبل خفض الإنفاق على الأمن والدفاع إلى 7 بالمئة من قيمة الموازنة مقارنة بنحو 9 بالمئة في موازنة العام الماضي. كما ارتفع الإنفاق على الصحة من 4 بالمئة إلى 7 بالمئة والتعليم من 7 بالمئة إلى 9 بالمئة.

ويتخوف السودانيون من رفع دعم السلع الأساسية وهو ما تتجنبه الحكومة تفاديا للاحتجاجات الشعبية والتأثير على الوضع الأمني.

وتضرر اقتصاد السودان بشدة من جراء انفصال دولة جنوب السودان الغنية بالنفط في عام 2011 مما أدخل البلد في متاهة الأزمات المزمنة.

وأشار البدوي إلى أن دعم أسعار السلع الأساسية يمثل 36 بالمئة من مصروفات الميزانية، وهو ما يزيد على الإنفاق على الخدمات والدفاع، الذي يمثل 34 بالمئة، ما يجعل قضية الدعم قضية مركزية في الاقتصاد السوداني.

ويرى خبراء أن موازنة السودان الجديدة ليست تقشفية وتحمل بين طياتها نفقات كبيرة ما يجعلها تواصل نفس نسق العجز في ظل شح مصادر التمويل.

أزمات مزمنة
أزمات مزمنة

والتزمت حكومة البشير على مدى طويل بسياسة دعم سعر الخبز والوقود وسلع غذائية أخرى، ما تسبب في عجز ضخم في الميزانية وبات يشكل عبئا غير محتمل.

وشكل قرار الحكومة رفع سعر الخبز شرارة الاحتجاجات التي بدأت في ديسمبر الماضي، قبل أن تعم البلاد الاحتجاجات المطالبة بإسقاط البشير.

واقترح مجلس الوزراء، الخميس الماضي، رفع الدعم عن المحروقات، لكنه تراجع عن القرار عقب اجتماع ضم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وممثلين عن قوى الحرية والتغيير، التحالف الذي قاد الاحتجاجات.

وسبق ودعا صندوق النقد الدولي السودان إلى اتخاذ قرارات وإصلاحات جريئة وشاملة من أجل استقرار الاقتصاد وتقوية النمو المتراجع في البلاد.

وذكر الصندوق أن الأوضاع الاقتصادية لا تزال صعبة في السودان، على خلفية استمرار عجز المالية العامة والتضخم المرتفع وضعف فرص الحصول على التمويل.

ويعيش السودان على وقع أزماته المزمنة، حيث يعاني من نقص في العديد من السلع الرئيسية كالخبز والوقود وغاز الطهي، نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الأسواق الموازية للأسواق الرسمية.

وتحاول الحكومة تجاوز العقوبات الأميركية التي عرقلت جهود البلد في تحقيق التنمية، إضافة إلى شح الموارد في وقت تواصل فيه السلطات جذب استثمارات أجنبية إلى البلاد الغنية بالمعادن والثروات الطبيعية.

11