موازنة 2020 تكشف عمق الضغوط على الاقتصاد التونسي

ارتفاع الدين العام وضعف النمو يربكان التوازنات المالية.
السبت 2019/10/05
الطبقة الفقيرة في صراع من أجل البقاء

أطلق خبراء تونسيون صفارات الإنذار من اعتماد الحكومة على فرضيات غير واقعية في موازنة العام المقبل، التي تعد الأكبر في تاريخ البلاد، في وقت تحتدم فيه التجاذبات السياسية على خلفية الاستحقاقات الانتخابية، يتوقع البعض أن تعرقل الجهود الرامية لتجاوز المشكلات المتراكمة منذ 2011.

 تونس – تحاول الحكومة التونسية من خلال الموازنة الجديدة، التي صادقت عليها مؤخرا، أن تبعث برسائل طمأنة إلى الأوساط الاقتصادية والشعبية بأنها قادرة على معالجة التوازنات المالية المختلة.

وتأتي الخطوة بينما تعيش البلاد على وقع الانتخابات التشريعية الأحد المقبل قبل ذهاب الناخبين إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية الأسبوع المقبل.

ولا تخفي موازنة 2020 البالغة نحو 47 مليار دينار (17 مليار دولار)، الأكبر في تاريخ تونس، المخاوف من استناد الحكومة على الحلول الترقيعية كالعادة، في ظل تباطؤ محركات النمو والإنتاج وارتفاع لكتلة الأجور وأزمات أخرى مقلقة.

وتزيد الموازنة الجديدة بنحو 15.7 بالمئة عن الموازنة الحالية والبالغة حوالي 14.5 مليار دولار، ما يعني أن هناك المزيد من الإنفاق.

وتتمثل الأهداف الرئيسية لموازنة العام المقبل في التقليص من العجز، بما يمكن من التحكم في الدين العام، الذي وصل لمستويات قياسية في الناتج المحلي الإجمالي.

ويعلق الخبير الاقتصادي منجي المقدم في تصريحات لـ”العرب” على الموازنة الجديدة بالقول إنها “تجسد سياسة الهروب إلى الأمام”.

غلاء الأسعار يقلق راحة المواطن التونسي
غلاء الأسعار يقلق راحة المواطن التونسي 

وأضاف ”هذه الموازنة مرتفعة بما يقارب نحو 15 بالمئة عن موازنة العام الجاري وهذا الارتفاع غير معقول مع ضعف إمكانيات النمو وتباطؤ النشاط الاقتصادي”.

وأوضح المقدم أن ما يعادل 40 بالمئة من الموازنة سوف ينفق على الأجور وحوالي 22 بالمئة في سداد الديون مما يعكس أنها ليست “تقشفية”.

واعتبر أن بنود الموازنة لم ترتكز على تقديرات صحيحة، كما أنها لا تفتح آفاقا جديدة للتنمية، متوقعا أن يشهد البرلمان نقاشات حادة قبل إقرارها رسميا.

وكان وزير المالية رضا شلغوم قد أكد في وقت سابق خلال مؤتمر صحافي أن هاجس الحكومة هو تقليص العجز الحاصل في الموازنة والبالغ نحو 3.9 بالمئة إلى 3 بالمئة فقط.

وترمي هذه الخطوة إلى التقليص من معدل الدين الخارجي المتفاقم في الموازنات المتعاقبة منذ أعوام والذي بلغ نسبة 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما اعتبره محللون خطرا وغرقا في نفق التداين.

وشهدت نسبة عجز الموازنة تحسنا ضئيلا مقارنة بسنتي 2016 و2017 اللتين بلغ فيهما العجز ما يعادل 6.1 بالمئة قبل أن تتراجع إلى معدل 4.8 بالمئة في العام الماضي.

ورغم ما سجلته الموازنات في السنوات الخمس الأخيرة من ارتفاع، فإن نسب النمو لم تتحسن مما يزيد المخاوف من الصعوبات الاقتصادية والمالية خلال الفترة المقبلة.

ويترقب التونسيون ما ستفضي إليه زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى تونس الأسبوع المقبل لمتابعة مسار الإصلاح، قبل الإفراج عن القسط السادس من قرض بقيمة 2.9 مليار دولار اتفق عليه الطرفان في مايو 2016.

ويشير الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالإصلاحات الكبرى توفيق الراجحي في تصريح نقلته وكالة الأنباء الرسمية التونسية، إلى أنه من المنتظر صرف الصندوق شريحة بقيمة 450 مليون دولار بعد أن تحصلت على 5 أقساط سابقة بنحو 1.8 مليار دولار.

ولا تنحصر التحديات في الموازنة المقبلة، عند العجز والديون الخارجية فقط وإنما في ارتفاع كتلة الأجور والتي تصل إلى 7 مليارات دولار بعد إمضاء الحكومة اتفاقيات مع الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر النقابات العمالية، على الزيادة في أجور القطاع العام.

منجي المقدم: موازنة 2020 دون تقديرات واقعية، تجسد الهروب للأمام
منجي المقدم: موازنة 2020 دون تقديرات واقعية، تجسد الهروب للأمام

وارتفع حجم الأجور في موازنات الدولة منذ سنوات وذلك على خلفية الارتفاع الكبير في عدد الموظفين بالقطاع العام، والذي تتجه فيه أصابع الاتهام إلى حكومة الترويكا.

ويمثل بند الرواتب 14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة الجارية، ما من شأنه حسب محللين إثقال كاهل المالية العامة التي تعاني صعوبات.

وبخصوص موازنة الدعم، أوضح الراجحي أنها ستكون في حدود 1.9 مليار دولار مع تخصيص أكثر من ملياري دولار للتنمية ونحو 4.2 مليار دولار لخدمة الديون.

وتهدف الحكومة إلى تحقيق نسبة نمو بنحو 2 بالمئة خلال العام المقبل، في حين أن التقديرات تصطدم بالتغيرات السياسية في تونس وستحددها محطة السادس من أكتوبر التي سترسم ملامح الحكومة المقبلة التي قد لا تنسجم خياراتها مع الحكومة الحالية.

وستضطر الحكومة لاقتراض مليار دولار من السوق الداخلية وثلاثة مليارات دولار من السوق الخارجية عبر تمويل من المؤسسات المالية الدولية التي تمنح قروضا بفوائد ميسرة لا تتجاوز 2 بالمئة.

ونسبت رويترز لمسؤول حكومي كبير قوله في وقت سابق هذا الأسبوع إن “تونس تحتاج لتمويلات أجنبية بنحو 2.96 مليار دولار، وتنوي طرح سندات مقومة باليورو العام المقبل”.

11