مواسم الرواية

الثلاثاء 2017/05/16

لا تكاد تنتهي عاصمة عربية من احتفالية لجوائز الرواية أو لندوة عنها حتى تظهر احتفالية أو ندوة جديدة في عاصمة أخرى. هذه الطفرة غير المسبوقة في هذه الاحتفاليات توحي وكأن الثقافة العربية في أفضل حالاتها، وأن القائمين عليها اكتشفوا أن الرواية هي الفتح الجديد للإبداع العربي.

داخل هذا المشهد تجد كتابا كثيرين للرواية ونقادا وأشباههم يتدافعون للمشاركة وحجز المقاعد. الجوائز مغرية ماديا وإعلاميا، وقيمة العمل المقدم ليست شرطا للحضور والمشاركة وأحيانا للفوز بالجوائز.

المشكلة في هذه الظاهرة تتجاوز مسألة انفصال الكاتب العربي عن الواقع، وتعويم المصالح الشخصية على حساب الهم العام وقضايا الواقع المتداعي سياسيا واجتماعيا وثقافيا. المشكلة في هذا التجانس العجيب في المواقف والسلوك بين هذا الخليط من الكتاب. لقد بات من الصعب تمييز أصحاب اليسار من أصحاب اليمين. لأول مرة يتوحد هؤلاء الكتاب على هدف، ولكن ليس للدفاع عن قضايا الحرية وكرامة العربي المهدورة.

لم يعد الكاتب العربي يسأل حتى عن وجود حياة ثقافية أو حرية ينعم بها الكاتب في هذا البلد أو ذاك، بل لا يكلف نفسه عناء السؤال عن دوافع هذا السخاء المادي والمعنوي في التكريم. نجوم هذه الاحتفاليات يجيدون ترتيب أوضاعهم وعلاقاتهم ومواعيد مشاركاتهم جيدا على الرغم من تزاحم المواعيد.

التوافق في العلاقة بين نجوم هذه الاحتفاليات ومؤسسات الثقافة الرسمية والملحقة بها جعل الأخيرة تتبارى في استنساخ هذه التظاهرة واستقطاب المزيد من الأسماء. ربما يكون الواقع المعيشي للكاتب أحد أسباب هذا التهافت على الجوائز، لكن ماذا عن الذين تجدهم في كل المناسبات والجوائز ولجانها ولجان لجانها؟

آخر هذه الاحتفاليات كان لقاء الرواية في رام الله. تحدث كثيرون عن فلسطين وعلاقتهم الروحية والوجدانية بأرضها وقضية شعبها. الغريب أن المشاركين لم يكلفوا أنفسهم عناء ترجمة هذه العلاقة ولو ببيان يعلن تضامنهم مع إضراب الأسرى في سجون الاحتلال، أو إعلان الإضراب عن الطعام ولو لوجبة واحدة دعما لصمودهم من أجل حرية واستقلال فلسطين.

المفارقة الثانية أن موضوع فلسطين في الرواية العربية والتجربة الروائية للكتاب الفلسطينيين وهي تجربة هامة، لم يلتفت إليهما أحد، لا وزارة الثقافة هناك ولا الروائيون الذين حضروا لكسر الحصار عنها، على الرغم من أن بعضهم كان عليه أن ينتظر أكثر من عشر ساعات للسماح له بالعبور.

الرواية الفلسطينية والروائيون الفلسطينيون لم يكونوا يوما غائبين لا عن جوائز الرواية ولا عن ملتقياتها. الإبداع الفلسطيني كان وما زال في صدارة الحياة الثقافية العربية.

كاتب سوري

15