مواسم هجرة العراقيين

الجمعة 2013/10/04

يقال بأن مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، لم تعد تمتلك سوى قلقها المتزايد إزاء تسارع وتيرة العنف الطائفي في العراق، وما يضاعف قلق أفراد المفوضية مشكورين، هو الخوف من وقوع شرارة تهجير داخلي أو خارجي للعراقيين الفارين من التفجيرات والحرائق اليومية.. وكأن الأمر وليد الساعة.. وكأن العراقيين لم يعانوا التهجير على امتداد عقود طويلة بشتى الوسائل وعلى مختلف المراحل والتوجهات السياسية والطائفية.. ولهذا، ما تزال مكونات الأسرة العراقية منذ زمن طويل.. تلاحق نثار أشلائها في شتى الاتجاهات بحثا عن الأمان وراحة البال.

يتفق متخصصون في الكوارث السياسية، على أن التهجير لا يقتصر على كونه نتيجة عرضية للصراع والعنف المسلح فحسب، وإنما يعد بذاته أحد أهداف واستراتيجيات ذلك الصراع، ووسيلة لتحقيق السيطرة الميدانية على جميع مداخل ومخارج الوطن المستباح.. وهو إجراء تقوم به الحكومات المتعصبة تجاه مجموعة دينية أو مجموعة عرقية معينة أو ضد مجموعات عديدة حتى وإن اختلفت في توجهاتها، لإخلاء أراضي الدولة لصالح فئة معينة نخبوية تربطها بأفراد السلطة روابط دم أو دين أو هوى.

هذه الجريمة قد لا تقتصر على الجهات الحكومية، بل ربما تأتي في أحلك الأوقات بشكل مخطط محبوك من قبل أفراد أو جماعات مسلحة خارجة عن القانون، في بلد لا يؤمن بالقانون، بهدف إخراج مجموعة من الناس من مدنهم وأوطانهم بالإكراه، وفي كلتا الحالتين يحمل الفريقان أجندة واضحة، بالنسبة إليهم فقط، لتطبيق وجهات نظرهم الحاقدة على أرض الواقع.

ويتم في العادة تهجير المنكوبين، بحسب درجة عنف الجريمة وهوية منفذيها، إلى مدن ومناطق أخرى ضمن حدود الوطن ذاته أو إلى أبعد من ذلك بكثير إلى خارج الحدود، وفي هذا النطاق، تختلف الآراء فيما يتعلق بالمقارنة الواجبة بين عدد العراقيين المهاجرين أو المهجرين خارج الوطن، وعدد النازحين في داخله، والذين يعيشون خارج أماكن سكناهم الأصلية، التي قد تكون على مسافة شارع. الأهم من ذلك، أن الأرقام في تزايد مستمر في كلا الاتجاهين.. لأن الأسباب لم تتوقف كما لم يتطور قلق مفوضيات اللجوء إلى خوف يتبعه ربما.. فعل.

عموما، يرى مراقبون ومنظرون، يقولون ولا يفعلون، بأن النزوح المرتبط بعمليات التطهير الطائفي قد يؤدي إلى تغيير دائم في خريطة الانتشار الجغرافي للطوائف في العراق، فكثير من المناطق التي كانت في السابق ذات هويات طائفية متعددة، عرقية ودينية؛ تحولت إلى تجمعات أحادية الهوية.. أما الخطر الآخر فيتمثل في الخوف على التركيبة الديمغرافية العراقية، بسبب هجرة أعداد كبيرة من العراقيين المنتمين لأقليات لها وزنها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي؛ مثل المسيحيين والصابئة واليزيديين واليهود، في عقود سابقة، ما سيكون له انعكاسات سلبية للغاية على التنوع والتعدد في المجتمع العراقي، كما ينذر بشرخ اجتماعي كبير.

وبسبب الطبيعة المعقدة للصراعات السياسية في العراق، فإن المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لن تتشارك هذا القلق مع مفوضية اللاجئين الدولية.. بسبب قلقها وانشغالاتها في مواقع ميدانية أكثر سخونة؛ مثل قلقها على مصالحها واهتماماتها المستمرة بقضايا الصراع الدولي ومشكلات دول الجوار. ولهذا تتفضل المنظمات الخيرية العالمية بين العقد والآخر باقتطاع بعض أوقات الفراغ والتعامل مع قضايا الهجرة المستعصية. والواضح أن مسؤوليات كبيرة فيما يتعلق بهذا الأمر تقع على عاتق الأمم المتحدة، وهي إذ تحاول التعامل مع هذه المشكلات المتعلقة بعودة اللاجئين ومحاولة معالجة الأوضاع المعيشية والإنسانية في العراق بشكل عام، تواجه في عملها بعض المنغصات الميدانية، بعضها ناجم عن الانطباع السيئ عنها لدى العراقيين، بسبب ذكريات الماضي والحصار الاقتصادي، الذي بدأ كعقاب للنظام السابق وانتهى في صورة كابوس جثم على أنفاس الفقراء.

من جانب آخر وفيما يتعلق بالطيور المهاجرة إلى خارج الحدود، فتتكفل الدول المستقبلة للاجئين بين موسم عنف وآخر، بتشديد إجراءات دخول العراقيين إليها، حيث تشكل هذه الطيور مكسورة الجناح، مشكلة كبيرة بالنسبة لدول كثيرة في العالم، طبعا إذا لم تتكفل الحوادث الكارثية بإنهاء حياتهم، قبل وصولهم إلى بر اللجوء.. مثلما يحدث بين الحين والآخر حيث تغطس إحدى قوارب اللاجئين غير الشرعيين في مياه إقليمية باردة وقاسية، من دون أن ترسو على أرض الأحلام. على الرغم من ذلك، ما زال الاعتقاد سائدا بأن أكبر عدد من طالبي اللجوء السياسي في العالم هم عراقيون.. وهذا حمل آخر يقع على عاتق المنظمات الخيرية العالمية، التي ترى بأن أرض الله ليست واسعة بما يكفي لاستيعابهم.

21