مواشي المزارعين قرابين الجفاف في جنوب العراق

أزمة المياه تلقي بظلالها على عموم العراق وخاصة في مناطق الجنوب حيث يعتمد السكان بشكل كبير على تربية المواشي، وبسبب الجفاف الذي دفع المزارعين إلى بيع بعضها من أجل أن يعيش البعض الآخر يتناقص عدد رؤوس الجواميس والأبقار.
الثلاثاء 2018/07/31
حياة الإنسان والحيوان تستحيل دون ماء

العطاسية (العراق) – وسط مستنقع صغير على أطراف مدينة النجف في جنوب العراق، تغطي المياه الشحيحة المتبقية النصف الأسفل من قطيع جواميس تنتظر على ما ستقع قرعة الاستبعاد، لتفدي واحدة حياة أخرى، بعد أن أصبحت الماشية ضحية الجفاف في بلاد ما بين النهرين.

في منطقة النجف الجنوبية، يسعى مربو المواشي إلى التضحية بحيوانات لإنقاذ أخرى تنازع بسبب انعدام الماء وسط حرارة تلامس الخمسين درجة في فصل الصيف.

بنبرة حزينة ووجه شاحب، يوضح الفلاح سيد ستار (52 عاما) كيف يحاول مع مربي ماشية آخرين تقليص الأضرار.

يقول “بعد نفوق قسم من الحيوانات بسبب العطش، بتنا نبيع رؤوسا من الماشية، وبمالها نشتري الماء والعلف لأخرى”.

يقول المزارع علي صادق “نحن نموت من العطش. لا توجد مياه، لقد نفقت المواشي والطيور والبط والأوز، وانتهت الزراعة، فلم يبق شيء نعيش من أجله”.

وتقدر مصادر رسمية أن 30 في المئة من الماشية في جميع أنحاء جنوب البلاد أصبحت ضحية للجفاف، إما بسبب الموت عطشا وإما ببيعها للذبح مقابل شراء العلف، ما شكل ضربة كبيرة لنحو  475 ألف أسرة تعتمد في معيشتها على الماشية، أي ما يقارب مليونين و400 ألف شخص، ما يشكل حوالي 10 في المئة من سكان العراق.

ويبدو علي (24 عاما) من جهته يائسا من عدم إيجاد مصب نهر ينقل “حلاله” إليه، ليكون قطيعه من الناجين.

وبالفعل، تبدو مجاري الأنهار في النجف اليوم أرضا قاحلة تبرز فيها التشققات، وصارت القنوات التي يفترض أن تنقل المياه مغطاة بالغبار والرمال والعشب اليابس.

يقول علي إن عليه دفع المال لإرواء عطش الماشية، فقد أصاب نقص المياه المنطقة التي كانت تشكل في الماضي جزءا مما يسمى “الهلال الخصيب”، ويطلق على العراق اسم “بلاد النهرين” نسبة إلى دجلة والفرات، لكن مياه نهري دجلة والفرات شهدت انحسارا كبيرا، إثر انخفاض منسوبهما بشكل كبير منذ سنوات.

وباشرت أنقرة مؤخرا في تشغيل سد “أليسو” على نهر دجلة، ما شكل ضربة للزراعة في العراق بدأت تظهر تداعياتها على مختلف نواحي الحياة.

 ماء آسن يقتل ولا يروي
 ماء آسن يقتل ولا يروي

ويقول مسؤولون عراقيون إن هناك جفافا مخيفا سيضرب العراق خلال الأشهر المقبلة، في حال لم تستجب تركيا وترفع من حصة العراق المائية لنهر دجلة وكذلك الفرات.

وأمرت وزارة الزراعة العراقية الشهر الماضي بحظر زراعة الأرز والذرة وبعض المحاصيل الأخرى التي تحتاج إلى الكثير من المياه.

وبهذا، خسر العراق للمرة الأولى منذ قرون، موسم زراعة “أرز العنبر” ذي الرائحة الزكية الذي يشكل 35 في المئة من إنتاج الأرز العراقي.

ويشير علي إلى ظاهرة جديدة بدأت تنتشر في المدن الجنوبية، وهي عملية شراء المياه من موزعين ينقلونها في شاحنات صغيرة إلى المنازل، وتعبئتها في خزانات صغيرة خارج البيوت.

وباتت أمرا عاديا في هذه المدن رؤية نسوة متشحات بالسواد يحملن قدورا نحاسية على رؤوسهن لملئها بالمياه من الخزانات الخارجية للاستخدام المنزلي.

وتبلغ تكلفة نقلة المياه الواحدة 25 ألف دينار (20 دولارا تقريبا)، لكن هذا الرقم صار كبيرا بالنسبة للفلاحين بعدما انخفضت أسعار الماشية إلى النصف تقريبا، فلا يكفي مردودها المادي سوى شهرين تقريبا بين الماء والعلف.

وعلى سبيل المثال قلّ سعر رأس الجاموس من نحو 5 آلاف دولار أميركي إلى 1500 دولار فقط الآن، وبيعه لا يكفي سوى سداد تكاليف القطيع لمدة شهرين، لذا فإن معظم المزارعين يلجأون إلى الاقتراض.

وبدأ مربو الجاموس في المحافظات الجنوبية بالتظاهر مؤخرا مطالبين بإعفائهم من سداد القروض الزراعية التي في ذمتهم بسبب الأزمة.

ويأتي ذلك بعد وقت قصير من انتهاء حرب ضروس ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر في العام 2014 على ما يقارب ثلث مساحة البلاد، والتحديات المتمثلة بإعادة إعمار البلاد.

وبفعل الجفاف بدأ، وفق ما يؤكد مدير الجمعية الفلاحية في مدينة النجف أحمد العيساوي، ظهور حشرات تزيد من عملية نفوق المواشي.

ويقول العيساوي  “في تاريخ العراق الحديث والقديم لم تحدث كارثة مماثلة في شح المياه”.

ويضيف “نحن اليوم في مستنقعات مائية لا يمكن أن يسكن فيها حتى البعوض، لكن المواشي مجبرة على الشرب منها، فهي لا حول لها ولا قوة”، لافتا إلى أن “شح المياه أدى إلى ظهور زواحف وديدان تنتقل من حيوان إلى آخر بسرعة كبيرة وتقتلها”.

وانتشر في محافظة ذي قار والقادسية مرض قاتل يعرف بـ”حمى قرم الكونغو النزفية” وهو مرض متنقل يصيب الحيوانات كالأبقار والأغنام وينتقل بواسطة حشرة القرادة التي تتغذى على دم الحيوانات المجترة والقوارض، وتلدغ الحيوانات والإنسان على حد سواء.

ورغم أن السلطات الحكومية اتخذت، بالتعاون مع المؤسسات الصحية، إجراءات للحد من انتشار هذا المرض الفيروسي الذي يؤدي إلى وفاة الإنسان والحيوان، إلا أن المخاوف مستمرة من توسع رقعة هذا المرض.

وقال مدير عام دائرة الصحة العامة في وزارة الصحة إحسان جعفر إن الظروف البيئية الناتجة عن قلة المياه وارتفاع درجات الحرارة، هي التي وفرت الحاضنة الرئيسية لهذا الفيروس، مشيرا إلى أن بؤرة هذا المرض هي مناطق الأهوار والتي تكثر فيها تربية المواشي كالجواميس والأبقار.

ورغم وجود خزانات مائية وسدود رئيسية في البلاد، بينها سدود الموصل وحديثة ودوكان وأخرى متفرقة صغيرة، فلم يبق فيها إلا عشرة في المئة تقريبا من قدرتها الاستيعابية. وكانت مستنقعات الأهوار الواقعة في جنوب العراق والتي تمتد الآلاف من الكيلومترات في جنوب البلاد، تشكل عاملا للتوازن البيئي ومصدر عيش للساكنين فيها، لكنها لم تعد كافية اليوم. ويؤكد مسؤولون عراقيون أن الأمور وصلت إلى درجة عدم الحصول على مياه كافية للشرب، لا للسكان ولا حتى للحيوانات، ولم يتبق سوى منخفضات وبرك ماء متناثرة.

ويرى العيساوي أن الأمر ليس إلا مسألة وقت، “وستكون هناك هجرة عكسية بأثر سلبي على المدينة”.

وقد بدأت تلك العملية بالفعل، إذ يؤكد مدير ناحية العدل في محافظة ميسان الجنوبية حبيب ظاهر الفرطوسي أن “أكثر من 150 عائلة تركت مناطقها بسبب الجفاف”.

قلة الكلأ تأذن بالرحيل
قلة الكلأ تأذن بالرحيل

 

20