مواصفات الرئيس وأوصاف النفايات

الخميس 2015/10/29

انتهت جلسة الحوار الأخيرة على خلاف حول مواصفات الرئيس اللبناني وخصوصا حول نقطتيْ إعلان بعبدا، وموقف الرئيس من المقاومة، في حين بقيت النفايات خارج الدرس.

الشتوة الأولى القوية التي استقبلت بموجات من الشعرنة الفيسبوكية وغيرها، دفعت النفايات لتطفو فوق سطح المشهد اللبناني ككل، ولتتخذ مظهر الناطق الرسمي باسم الأحوال اللبنانية بكل تجلياتها وتقلباتها.

تعمدُ الأطراف المتناحرة في لبنان إلى إنشاء خطابات تعنى بما تعتبره قضايا كبرى، وتترك الأمور الملحة واليومية والمباشرة خارج الاهتمام الجدي. واللافت أن ما يسمّى الحراك الشعبي يطرح القضايا اليومية، ويتعامل معها بمنطق القوى السياسية نفسه، أي يعمد إلى تحويلها لعناوين شعاراتية كبرى، ويقوم في الآن نفسه بتعطيل الحلول والتعمية عليها دون تقديم أي بدائل منطقية.

القضايا الكبرى عند حزب الله حاليا تتلخص في ضرورة تأمين الموارد العاطفية والنفسية والانفعالية والتعبوية لتمكين شعار “الموت لآل سعود” الذي احتل واجهة المشهد العاشورائي في خطابي حسن نصر الله المتتاليين.

لهذا الشعار متطلبات كثيرة يجب الإيفاء بها، وأقلها تصميم خطاب ينسب إلى السعودية كل الشرور في العالم، ليس بشكل يعتمد على تحوير الوقائع، ولكن على صناعة الأساطير وصبها في الوعي الشيعي اللبناني المأزوم كخطاب حقيقة مقدس لا يجوز المس به، وربطه بما يقوم به حزب الله في سوريا. نصر الله بدأ هذا المسار باعتباره أن من يترك القتال في سوريا يكون كمن ترك الحسين في كربلاء.

من هنا يمكننا استنتاج أن شعار “الموت لآل سعود” إنما يتبع هذا السياق، فتكون الرسالة النهائية لخطاب القضايا الكبرى في نظر الحزب، تتعلق بضرورة قتل السوريين والسعوديين دفاعا عن الإمام الحسين.

تاليا لا يمكن لأزمة لبنانية، من قبيل أزمة النفايات، أن تكون حاضرة داخل هذا السياق، لأن حلها لن يكون فاعلا أو مؤثرا في عملية الانتقام للحسين التي تشكل عصب الأسطرة الإلهية في هذه اللحظة، بل قد يرى حزب الله أن من واجبه الدفع باتجاه تفاقم الأزمة لأنها تجعل الجمهور يعيش وضعا مأساويا مماثلا لوضع الإمام الحسين.

ربما يرى حزب الله في أزمة النفايات وسيلة تثقيفية للجمهور الشيعي خاصة واللبناني عامة حول مأساة الحسين، لذا يعمل بكل ما أوتي من سطوة على تعطيل حلولها، عبر ادعائه بعدم وجود أراض مناسبة لتحويلها إلى مطامر في المناطق الواقعة تحت سيطرته.

من ناحية أخرى يُعنَى تيار المستقبل بأزمة الرئاسة بشكل خاص، وهو لم ينجح في التفاهم مع أهل عكار حول موضوع إقامة مكب في تلك المنطقة، وتحويله إلى مطمر صحي. تاريخ الحرمان والتجاهل أفقد أهل المنطقة ثقتهم ليس بالتيار فحسب، ولكن بالدولة والأجهزة الرسمية ككل.

لم يعد ممكنا بالنسبة إلى العكاريين اعتبار المبالغ التي تم تخصيصها مؤخرا لإنماء عكار سوى نوع من رشوة مقابل القبول بإنشاء مكبات في منطقتهم، وهو ما ضاعف مرارتهم وفاقم من شعورهم بغياب الاهتمام الفعلي بمنطقتهم.

يعتبر التيار أنه لا يمكن للأمور أن تستقيم في البلد إلا بعد انتخاب رئيس للجمهورية، وذلك لأنه يعلم أن دوره كقوة سياسية أساسية في البلد سيفقد الكثير من زخمه وحضوره في ظل استمرار الفراغ الرئاسي الذي يستتبع عمليا فراغا مقنعا في رئاسة الحكومة.

هذا الوضع يعني واقعيا أن حزب الله يمسك عمليا بالبلد، سواء من ناحية الإمساك بمفاصل الدولة من خلال المجلس النيابي، الذي لا يستطيع رئيسه الخروج من فلك حزب الله ومعارضة قراراته، أو من ناحية التغوّل العسكري للحزب.

مخاوف تيار المستقبل دفعته إلى الإصرار الدائم على رفع العناوين الكبرى والإصرار على أولويتها، من قبيل موضوع الرئاسة، في حين لم يعد هناك موضوع رئيس في نظر اللبنانيين سوى موضوع النفايات، الذي يرفع في وجوههم أشباح أمراض بائدة، انقرضت منذ زمن بعيد، كما هو حال السياسة في بلاد الحراك والحوار والنفايات المدججة باستحالة الحلول.

كاتب لبناني

8