مواطنون لا رعايا

الأربعاء 2014/11/26

تعرف الثقافة العربية مفاهيم سياسية وقومية واجتماعية ووطنية يعود معظمها إلى مرحلة ما قبل النهضة العربية، وأخص منها مفهوم المواطنة الذي لم يكن بمعناه الحديث، معروفاً تقريباً لا كمصطلح ولا كحقوق وواجبات قبل قرن ونصف، وكانت له مدلولات أخرى بدائية مثل (الرعية والرعايا) أخذت تكتسب مضامين جديدة مع مرور الزمن، تأثراً بما كان يجري في بلدان أوروبا، فقد توصل الأوربيون، منذ بدء العصور الحديثة، إلى مفاهيم جديدة للمواطنة أكثر تطوراً وشمولاً مما كانت عليه قبلاً، وانتقلت المفاهيم هذه إلى البلدان العربية، وأخذت تتطور بما يناسب واقع هذه البلدان وظروفها واحتياجاتها، وكان من الطبيعي أن يتطور مفهوم المواطنة لأنه مفهوم تاريخي شامل يرتبط بالزمان والمكان والنمو الحضاري والسياسي.

تقضي المواطنة، حسب أشمل مفاهيمها، مشاركة سكان الوطن في إقرار هيكلية الدولة والمساهمة في تنميتها وبنائها، وفي تقرير المصير، وتطبيع المواطن بالعادات والتقاليد والهوية والقيم الروحية واللغة والتاريخ المشترك وما يشبه ذلك من معايير وقيم، بحيث تكون المواطنة، بدورها، نتيجة لهذه القيم وللعيش المشترك والتفاعل والآمال والمطامح الناشئة عن الوجود المشترك على أرض الوطن والعلاقات الجدلية بين المواطنين، وخاصة ما تؤدي إليه من التلاحم والتكافل وتأسيس هوية وطنية مشتركة، وهكذا تقوم المواطنة على مجموعة من القيم والمفاهيم تتراكم في أعماق ثقافة المواطنين، منها قيم المساواة والعدالة والتكافؤ مهما كان الدين والمذهب والطائفة والإثنية، إضافة إلى تأدية الواجبات المترتبة على المواطن. وينبغي أن تتحقق في وعي المواطن وثقافته معطيات الهوية الوطنية ومتطلباتها، كالانتماء للوطن باعتباره فوق كل انتماء، والولاء له، والدفاع عنه، ودفع الضرائب لتنمية دولته، والتعاون مع جميع المواطنين في إطار المساواة أمام القانون والعمل على رفض الطائفية السياسية باعتبارها تحرض مجموعة من المواطنين ضد أخرى.

تطور مفهوم المواطنة خلال التاريخ الإنساني، فقد كانت في دولة أثينا (المدينة- الدولة) لا تُعطى إلا للذكور الذين تجاوز عمرهم الثلاثين عاماً، أما النساء والأطفال والعبيد فيحرمون منها، والأمر نفسه في روما القديمة، التي أكدت على الجانب القانوني للمواطنة أكثر من الجانب الفلسفي، ثم غاب هذا المفهوم في أوروبا مئات السنين حتى بداية عصر النهضة الأوروبية، بعد أن أكدت عليه الثورتان الأميركية والفرنسية، وصار متداولاً وأساس بناء الدولة الحديثة، وغدت المواطنة هي المرجعية الأولى لأية دولة، بل المرجعية الوحيدة، وأُهملت أية مرجعية أخرى غيرها، وخاصة تلك المرجعيات المتخلفة التي تفرق بين المواطنين (حسب دينهم أو مذهبهم أو منبتهم الاجتماعي أو اتساع ممتلكاتهم أو غير ذلك)، وغدا مفهوم المواطنة هو أساس العلاقة المتينة بين الذين يعيشون على أرض واحدة ولهم دولة واحدة.

كان لمفهوم المواطنة تاريخه أيضاً في البلدان العربية، فقد عرفت هذه البلدان نظام (المدينة- الدولة) وطبّقته، كما كان الحال في مدن إيبلا وأوغاريت وتدمر في سوريا، وكذا الأمر في مدن سبأ وحمير في اليمن، وفي مدن عربية قديمة أخرى، ثم خبا المفهوم واختفت التسمية قروناً عديدة، ولا يوجد في القواميس العربية القديمة كلمة أو اصطلاح مواطن أو مواطنة سواء في القاموس المحيط أم لسان العرب أم تاج العروس أم الصحاح، وقد أشار المرحوم محمد عابد الجابري إلى أن كلمة مواطن وردت أول مرة على لسان الأصفهاني في مؤلفه (خريدة القصر وجريدة العصر) الذي ألفه في القرن السادس الهجري وقد ذُكرت فيه لمرة واحدة، وبمدلول لا يشبه تماماً مدلولها اليوم، حيث رأى الأصفهاني أن المواطنة تعني (المصاحبة، أو العيش مع…)، ولم ينتشر اصطلاح المواطنة إلا مع بداية النهضة العربية الحديثة اقتباساً من الدول الأوربية بواسطة النهضويين العرب، واتسع هذا المفهوم مع مرور السنين ومع التطور، فقد ذكره قاموس (المُنجد) في القرن العشرين، واعتبر أن هذا المصطلح أتى من (وطن ومن وطأَه) أي شاركه أو أسكنه أرضاً بعينها وعلى سبيل الديمومة.

لكن معنى اصطلاح المواطنة يختلف عن اصطلاح الجنسية، وهذا ما يلتبس علينا هذه الأيام، فيمكن إعطاء الجنسية (قانونياً) ضمن شروط بعينها، تتعلق بالتواجد على أرض الوطن مدة محددة أو توفر شروطاً أخرى وبالتالي فهي حالة قانونية، لا تشترط (غالباً وفي دول عديدة) أن تتوفر بمن يحصل عليها كافة مفاهيم المواطنة، وخاصة المعنوية والإنسانية، كتشبع القيم والثقافة والولاء الحقيقي للوطن والإيمان الحقيقي بالعيش المشترك، وتوفر شروط الهوية الوطنية الأخرى، والانتماء الوطني، ومع أن الجنسية هي مواطنة قانونية دون شك، تعطي لحاملها الحقوق كاملة وتطالبه بواجباته كاملة، إلا أن معاييرها لا تتماثل مع معايير المواطنة الكاملة الحقيقية التي تشمل الانتماء والولاء ذاتياً وجوهرياً للوطن والمضامين الثقافية والروحية والقيم الاجتماعية للمجتمع، فضلاً عن تمثل الهوية الوطنية.


إعلامي سوري

9