مواقع إلكترونية تنشر شائعات بانتحالها أسماء صحف مصرية

استغلال نزاعات المسؤولين للترويج لتصريحات مزيفة تلقى اهتماما لدى الرأي العام.
الثلاثاء 2020/05/12
تصريحات مزيفة تستند إلى وقائع حقيقية

لجأت بعض المواقع الإلكترونية لانتحال صفة صحف مصرية معروفة للترويج لشائعات وتصريحات مسؤولين حكوميين، في إطار قضايا تشغل الرأي العام، والمشكلة أنه حتى عند نفي الشائعات من قبل الصحف الرسمية، فإن الغالبية لا تقرأ التصحيح، أو يعتقدون أن النفي جاء نتيجة ضغوط سياسية.

القاهرة - انتشرت مؤخرا ظاهرة التصريحات المثيرة لمسؤولين حكوميين في مصر، على مواقع إلكترونية تنتحل صفة صحف رسمية معروفة ويجري الترويج لها على نطاق واسع، ليتبين بعد أيام أن هناك من استغل الصحيفة لكتابة التصريح واستخدام شعارها.

واتخذت صحيفة كبيرة مثل الأهرام إجراءات قانونية ضد أحد المواقع الذي يستخدم شعارها الرسمي، مع تحريف بسيط وبخط صغير، لوقف سيل من الأخبار والشائعات التي نسبت إلى صحيفة الأهرام وتناقلتها منصات تواصل مختلفة، ما أحدث ازدواجية أثارت سخرية كبيرة.

ومع تصاعد الجدل حول بعض التصريحات، تبادر بعض الصحف بكتابة توضيح وتحذير للقراء بأن ثمة مجهولين يقومون باستغلال اسمها في “فبركة” عناوين مثيرة لمسؤولين كبار، بغرض تحقيق مكاسب سياسية مشبوهة، حتى أصبحت ظاهرة مزعجة لكثير من رموز المجتمع، لاسيما وزراء الحكومة والشخصيات المؤثرة.

وخلال الأيام الماضية، انتشر خبر مثير نُسب إلى شيخ الأزهر أحمد الطيب، وقيل إن صحيفة الشروق نشرته، وهاجم فيه مختار جمعة وزير الأوقاف، واتهمه باستفزاز مشاعر المسلمين حول غلق المساجد في رمضان بسبب الإجراءات الحكومية الخاصة بمواجهة كورونا، وعكس التصريح أن هناك ما يشبه المعركة الكلامية بين الطرفين.

وتكمن المعضلة أن التصريحات المزيفة التي تُنسب لبعض المسؤولين بأسماء صحف معينة، ترتبط بقضايا تشغل الرأي العام، وتأتي في سياق متناغم مع توجهات قطاع كبير من الناس وتلبية رغباتهم. فمثلا، جاء الانتقاد الوهمي للطيب ضد وزير الأوقاف في وقت تصاعد فيه الهجوم على الأخير بسبب غلق المساجد.

حتى الذين تشككوا في إمكانية أن يصدر هذا الكلام بنبرة حادة عن شيخ الأزهر، تسلل إليهم الشعور بأنه حقيقي بحكم الخلاف الأزلي بين الطيب وجمعة، للسيطرة على المجال الديني، أيّ أن الفئة التي تنتج أخبارا مضللة من هذه النوعية ليست هاوية، بل لديها قراءة جيدة للمشهد، وتعرف متى وكيف وبأي لغة تفبرك التصريحات.

غياب وحدات رصد وتتبع لدى الصحف الكبرى يمنعها من الوصول إلى أول من استغل اسمها في نشر الشائعات

وبالنظر إلى طبيعة الأخبار التي تنفيها الحكومة، يتضح أن أكثرها كان منسوبا لاسم صحيفة رسمية، وفي كل مرة يخلق تفنيد الشائعة حالة جدل على منصات التواصل بشأن قضية بعينها تثير اهتمام الناس، مثل ما يرتبط بالصحة والتعليم وكورونا والأسعار وخفض الدعم، وهي موضوعات تشغل كل الفئات في المجتمع.

وتُستخدم التصريحات الوهمية ذريعة للهجوم على الحكومة وحشد فئات لها علاقة بالقضية المطروحة، بحيث يتم توسيع أزمة غياب الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية، أو على الأقل الجهة التي طالها الخبر أو التصريح المفبرك، ويجد المعارضون فيها ما يبتغونه في الحصول على الشرعية والبرهان في الهجوم الإعلامي على النظام.

وقال مسعد صالح أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن نسب التصريح المزيف لاسم صحف رسمية يدفع من يثق في الجريدة لتصديق ما تم نشره، بالتالي تصبح الشائعة موثقة، وحتى إن تم نفيها من جانب الحكومة أو المسؤول المختص، فإن الغالبية لا تقرأ الحقيقة بعد توضيحها، أو يعتقد البعض أن النفي جاء في صورة تراجع عن التصريح لضغوط سياسية.  ولأن الكثير من متصفحي منصات التواصل الاجتماعي لديهم مواقف سياسية متباينة، فإنه يمكن بسهولة تصاعد حدة الاستقطاب الإعلامي بين المؤيدين والمعارضين ولو كان الكلام مزيفا، وقد يتحوّل الأمر إلى صراع بين طرفين يتم خلاله استخدام الشتائم والتلاسن اللفظي. وإذا تبرأ المسؤول مما نُسب إليه لا يتوقف الجدل ولا تنتهي الحرب الإعلامية بسهولة.

وبادر طارق شوقي وزير التربية والتعليم، قبل أيام بنشر تكذيب على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك، بوجود اتفاق مع الجيش لتكليف الضباط والمجندين بالرقابة على طلاب الثانوية العامة (البكالوريا) داخل لجان الامتحان، حيث كان التصريح منسوبا لصحيفة أخبار اليوم الحكومية، وهو أيضا ما كذبته الجريدة.

رغم مرور أيام على النفي ما زال كثيرون يتداولون نفس الكلام على نطاق واسع، ما استثمره معارضون للحكومة للهجوم عليها، بذريعة قيامها بتوسيع صلاحيات الجيش وإرهاقه في أمور إدارية بدلا من المعلمين، والمثير أن بعض الأطراف أثنوا على الخطوة على صفحاتهم.

وأكد صالح لـ”العرب”، أن ما يعزز انتشار الأخبار المغلوطة عن مسؤولين حكوميين على منصات التواصل، أن لديهم تاريخا حافلا من السقطات الكلامية الإعلامية ما يدفع الناس لتصديق أيّ تصريح يُنسب إليهم، حتى لو كان غير واقعي، خاصة أن بعض الشخصيات الهامة في الحكومة قد لا تجيد مخاطبة الرأي العام بشكل دبلوماسي.

ويرى متابعون أن غياب وجود وحدات رصد وتتبع لدى الصحف الكبرى يمنعها من الوصول إلى أول من استغل اسم الجريدة في توريط مسؤولين في تصريحات مزيفة، والأهم من ذلك أن بعض الصحف تستسيغ أحيانا طريقة الترويج لأخبارها الخاطئة. لذلك فالخطر +أن تكون الصحيفة التي يتم استغلالها في تصريح كاذب يستهويها هذا الفعل.

وتؤكد هذه الأزمة أن كثرة الأخبار الوهمية التي تنشرها وسائل الإعلام نفسها بشكل غير مهني حول قضايا جماهيرية، يسهّل مهمة البعض في فبركة تصريحات منسوبة إليها.

المشكلة أنه لا الصحيفة ولا المسؤول يقوم بانتهاج الطريق القانوني لمحاسبة المتورطين في هذه الجريمة، برغم وجود قانون يُعاقب مروجي الأكاذيب والشائعات على منصات التواصل.

وسمح تعامل جهات رسمية باستخفاف مع التصريحات الوهمية التي تحمل أسماء صحف ومسؤولين كبار لكثير من المعارضين بالتمادي في أفعالهم، حيث تزيد الأزمة عندما تصمت الصحيفة عن الرد أو نفي ما تم نشره.

وتذهب بعض الآراء إلى أن الظاهرة نتيجة واقعية لتدني مهنية الإعلام في نظر الجمهور، حتى أصبحت منصات التواصل الاجتماعي البديل الأكثر شعبية في الحصول على المعلومة.

وتتعاظم المشكلة عندما يتبين أن بعض المسؤولين لا يملكون حسابات رسمية على منصات التواصل لتوضيح الحقيقة، وإذا لم تُبادر الصحيفة بالنفي يصبح التصريح أمرا واقعا.

ويقول مراقبون إن التطور التكنولوجي يفرض على المسؤولين أن يكون لهم خط مباشر مع جمهور شبكات التواصل، بحيث يراقبون بأنفسهم ما ينسب إليهم من تصريحات، وينفون المزيف منها سريعا في حال تقاعست الصحيفة عن التوضيح، لكن الكثير منهم يبرر مقاطعة منصات التواصل بأنه يقطع الطريق على المغرضين للاستغلال.

18