مواقع إيران النووية ركائز مشروعها التوسعي في المنطقة

قام الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيو آمانو، بزيارة إلى الموقع العسكري الإيراني في “بارتشين”، الذي كان لا يسمح لممثلي الوكالة من قبل بزيارته، وجاء في بيان الوكالة أن زيارة آمانو لبارتشين برفقة رئيس هيئة ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تيرو فاريورانتا، تم “في خطوة لتنفيذ جزء من خارطة الطريق”. ومنذ زمن بعيد سعت الوكالة إلى تفتيش الموقع لمعرفة ما إذا كانت طهران قد أجرت فيه أنشطة نووية أم لا. وهذا الحدث يعكس مدى اهتمام الغرب بالمنشآت العسكرية والنووية في إيران والتي تعتبر مناطق حساسة بالنسبة إلى الأمن العسكري الإيراني، كيف لا وهي المناطق التي ترتكز عليها الأعمدة الأيديولوجية لنظام الخميني في مشروعها الإقليمي.
الأربعاء 2015/09/23
الاستراتيجية الإيرانية في ترويض القوى الكبرى تمر عبر ترويض وكالة الطاقة

طهران- “التحقيق في ما إذا كانت إيران تمتلك مشروعات لتطوير أسلحة نووية قد أنهى عقبة كبرى بإجراء التفتيش الذي يطالب به المجتمع الدولي منذ فترة طويلة لموقع بارشين العسكري”، هكذا بدأ الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيو آمانو تصريحه معلقا على تمكن المفتشين من الدخول أخيرا إلى مناطق عسكرية إيرانية يشتبه في أنها تحوي مفاعلات نووية لتصنيع القنبلة الذرية. وقد واصل الأمين العام تصريحاته مستبطنا فكرة أن موقع بارشين ليس الموقع الوحيد فقط الذي تسعى الوكالة لتفتيشه، بل إن العديد من المواقع الأخرى تعد نقاطا هامة لأجندتها.

وتقول تقارير خبراء إن العديد من المفاعلات النووية الإيرانية قد تم بناؤها وفق الصيغ السرية ويدور حولها تكتم شديد. ونشرت تسريبات عن تركيبات تلك المفاعلات وأشكالها، بطريقة توحي بأنها مفاعلات لتخصيب اليورانيوم الذي يمكن من صنع قنبلة نووية.

ومن أبرز تلك المفاعلات نجد مفاعل نطنز، وهو موقع لتخصيب اليورانيوم وتبلغ مساحته 100 ألف كم مربع أنشئ تحت الأرض بـ8 أمتار ومحمي بجدار سمكه 2.5 أمتار يحميه جدار آخر خرساني. وفي سنة 2004 تم تدعيم سقفه بالإسمنت المسلح وتمت تغطيته بـ22 مترا بمواد إسمنتية مسلحة تحت الأرض.

كما تم الكشف عن وجود موقع آخر في منطقة أراك من قبل المعارض علي رضا جعفر زاده سنة 2002. والمركز خاضع الآن لرقابة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ أن قام المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي بزيارة تفتيشية للموقع في فبراير 2003 وذلك في أول زيارة تمثل الأمم المتحدة للموقع.

المفاعلات النووية تم بناؤها بشكل سري ويدور حولها تكتم شديد لتوظيفها في المجال العسكري
لكن مراقبين أكدوا أن الهدف من السماح لتلك الزيارة في ذلك التوقيت بالذات، هو دعم الآلة الدعائية الأميركية في ذلك الوقت لإظهار النظام العراقي على أنه نظام خطير ويملك أسلحة دمار شامل ويرفض الإجراءات الأممية للتفتيش، إذ كانت زيارة التفتيش مرفوقة بدعاية تفيد بأن إيران جارة مهددة من قبل نظام صدام حسين.

وذكرت تقارير استخباراتية أميركية في وقت سابق أن موقع أراك يضم 160 جهاز طرد مركزي اكتملت صناعتها، وأن ألفا قيد التنفيذ في الموقع، وبموجب اتفاق الحماية الإيراني لسنة 1974 فإن إيران غير ملزمة بالإبلاغ عن وجود الموقع إذا كان قيد التنفيذ، وهناك الآن حوالي 7000 جهاز طرد مركزي منصّبة في نطنز منها 500 جهاز ينتج اليورانيوم منخفض التخصيب.

كما أكدت تقارير صحفية أن مفاعل أبو شهر الذي خصص لاستخلاص مادة الماء الخفيف قد دخل جزئيا في طور العمل، ويمكن أن ينتج مادة البلوتونيوم المنضب الذي يستخدم لأغراض نووية. ويعد هذا المفاعل من أهم ما قدمته روسيا لإيران في المجال النووي، إذ تم بناء المفاعل بخبرات وتمويل روسي بالأساس، لأهداف إستراتيجية تريد من خلالها روسيا رسم توازنات في الشرق الأوسط لصالح امتداداتها القريبة من البحر الأبيض المتوسط.

طلعت مسلم: الخطر يكمن في أن المقاربة النووية الإيرانية توحي بصناعة القنبلة النووية

أما مفاعل أًصفهان، فتتم فيه تنقية اليورانيوم من الشوائب من أجل تحويله كيميائيا إلى غاز “هكسا فلورايد اليورانيوم” ومن ثمة يتم تبريده وتنظيفه كي يصير صلبا، وبذلك أًصبحت إيران قادرة على إنتاج دورة كاملة من الوقود النووي وبخبرات إيرانية، وقد جعل موقع أصفهان لتأمين الوقود اللازم لعمل أجهزة الطرد المركزي ومحطات توليد الكهرباء النووية في البلاد، بعد أن تحصلت إيران على نحو سبعة آلاف من أجهزة الطرد المركزي التي تعمل حاليا.

ويعتبر المصنع آخر وأكثر المراحل حساسية في دورة إنتاج الوقود النووي لمختلف أنواع مفاعلات الأبحاث وتوليد الكهرباء. ويبقى لإيران العديد من المواقع النووية الأخرى ذات الاختصاصات المختلفة وفق المقاربة الشاملة للوصول إلى قوة نووية تنزح نحو العسكرة والتوظيف الحربي، إذ يوجد مفاعل أراك وجيهان ومصنع أردكان وغيرها.

ويقول اللواء المصري المتقاعد والخبير في الشؤون العسكرية طلعت مسلم، إن الخطر الأساسي الكامن في هذه المقاربة النووية أنها من الحجم الكبير ولا يعتقد أنها موجودة لكي تكون ذات استعمالات مدنية وسلمية، وإنما الغرض منها الوصول إلى تشكيل قوة نووية عسكرية موجهة إلى المنطقة وموظفة أيديولوجيا من قبل النظام الحالي، القائم بالأساس على إستراتيجية التوسع في المجال الإقليمي العربي باستعمال الآلة الدعائية الطائفية من جهة وإيقاظ النزعة الانفصالية الناعمة من جهة أخرى.
وتؤكد التقارير أن الاتفاق النووي الأخير الذي وضع إطارا قانونيا لأنشطة إيران النووية، لن تكون له الانعكاسات المطلوبة في تحديد القدرات النووية لإيران، بل إن الاتفاق في مضمونه ليس سوى مقدمة لتسويات أعمق على مستوى منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
12