مواقع التواصل الاجتماعي أجهزة رقابة في مونديال روسيا

الرقابة على تصرفات مشجعي كرة القدم خلال مونديال روسيا 2018 أصبحت تتعدّى الكاميرات ورجال الأمن، لتصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
السبت 2018/06/23
لتشجيع المنتخب المفضل ضوابط

موسكو – يعتبر المشجعون اللاعب رقم 12 في بطولات كرة القدم نظرا إلى دورهم في تحفيز اللاعبين. وجاء في الصفحة الرسمية للمونديال على تويتر، “مهرجان مشجعي كرة القدم في روسيا جمع 2.5 مليون مشجع”.

كأس العالم 2018 في روسيا لا تختلف عن غيرها، لكن مع تقدّم الأعوام، أصبحت الرقابة على تصرفاتهم تتعدّى الكاميرات ورجال الأمن، لتصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

يشكّل تنظيم تصرفات المشجعين في البطولات الكبرى هاجسا لأي دولة منظمة. الشغب، الهتافات العنصرية، التحرش الجنسي، التصرفات المسيئة، كلها حوادث تشهدها الملاعب منذ عقود، وبات ضبطها والحد منها الهم الأساسي للدول ولجان المشجعين والسلطات الكروية.

الحكومة الروسية اتخذت عددا من الإجراءات والتسهيلات في ما يخص توفير متطوعين يتحدثون اللغة الإنكليزية، وفرق متابعة ورقابة على مدار الساعة، وضوابط للإقامة والتحركات، وقائمة غرامات للانتهاكات والتجاوزات، كما وضعت أيضا قائمة بالأفعال التي يتعيّن على المشجعين تلافيها تماما.

ويُحظر على المشجعين وزوار روسيا خلال فترة كأس العالم التواجد في حالة سكر لا تتوافق مع الكرامة الإنسانية والأخلاق العامة، وارتكاب أفعال تهدد الأمن، والحياة، والصحة، وإهانة الآخرين، سواء بحمل لافتات أو وسائل مرئية أو ارتكاب أي فعل ينال من كرامة وشرف أو سمعة الأشخاص والمؤسسات، والتحريض على الكراهية والعداوة لشخص أو مجموعة بناء على الجنس أو العرق أو الأصل أو الدين، وغيرها من الممنوعات الأخرى. وإلى جانب الرقابة الأمنية الروسية، بات ثمة عامل “رقابي” إضافي يتعزز دوره تدريجا منذ أعوام، يتمثل بوسائل التواصل التي ينشر فيها الجيد والسيء على السواء.

تشكل مباريات اللعبة الشعبية الأولى عالميا متنفسا للناس لوضع شجونهم اليومية جانبا ولو لساعات معدودة، وبما أن كأس العالم تمثل الحدث الأهم وتجمع مشجعي 32 دولة من مختلف القارات والثقافات، ليس مستغربا أن تعاني الملاعب من طفرة الحالات الخاطئة. لكن رقابة وسائل التواصل تكشف ما كان المسؤولون يغفلون عنه سابقا.

بات يمكن للمرء أن يفقد وظيفته بسبب سلوك مشين في المدرجات، وهذا ما حصل مع موظف في شركة الطيران الكولومبية “أفيانكا”، إذ طرد من العمل بعدما انتشرت صورته وهو يحتسي الكحول في المدرجات خلال المباراة التي خسرها منتخب بلاده أمام كولومبيا (1-2) في سارانسك.

ويواجه مجموعة من الشباب البرازيليين، حملة هجوم ضخمة على مواقع التواصل الاجتماعي، واحتمال التعرض للعقاب أو الطرد من أعمالهم، بعد أن انتشر مقطع فيديو لهم وهم يشجعون منتخبهم في كأس العالم، ويحثون امرأة روسية على غناء كلمات نابية مهينة للمرأة، دون أن تفهم معناها.

 رقابة وسائل التواصل تكشف ما كان المسؤولون يغفلون عنه سابقا
 رقابة وسائل التواصل تكشف ما كان المسؤولون يغفلون عنه سابقا

وظهر في الفيديو مجموعة من الشباب، أحدهم يعمل في الشرطة العسكرية في البرازيل، وآخر يعمل في شركة طيران، وهم يشجعون المرأة على الغناء باللغة البرتغالية، دون أن تفهم أن كلمات الأغنية بذيئة وتتعلق بجسد المرأة، وفق ما ذكر موقع “ديلي ميل” البريطاني. وما إن انتشر مقطع الفيديو، وتم التعرف على هوية بعض الشباب فيه، حتى أعلنت الشرطة العسكرية البرازيلية أنها “ستفتح إجراء تأديبيا إداريا للنظر في سلوك أحد أفرادها (الذي ظهر في الفيديو) لدى عودته من روسيا”.

كما اتخذت شركة الخطوط الجوية “لاتام” إجراءات الإقالة في حق أحد موظفيها ممن شاركوا في الفيديو.

من جانبه، قدم أحد الشباب الذين ظهروا في الفيديو، اعتذاره، قائلا إن لديه ابنة وهو يكنّ الاحترام للنساء، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن ما حدث تم تضخيمه لأنهم كانوا “يمزحون” بعد أن تناولوا الكثير من المشروبات الكحولية.

القرار الذي اتخذته شركة “لاتام” والبيان الصادر عنها يدخلان “بوضوح في منطق توظيف حدث يستقطب اهتماما إعلاميا بهذا الحجم مثل كأس العالم”، وذلك بحسب تحليل جان-كريستوف ألكييه، أخصائي التواصل خلال الأزمات.

يذكر أن هذا النوع من الفيديوهات انتشر كثيرا خلال مونديال روسيا، إذ أقبل مشجعون من المكسيك وكولومبيا أيضا على إشراك سيدات في مثل هذه الأفعال، مما دفع وزارة الخارجية الكولومبية على نشر تغريدة قالت فيها إن مثل هذا التصرف “ليس فقط مهينا للنساء، وإنما يعدّ مهينا لثقافات أخرى، وللغتنا ولبلادنا”.

وأعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أنه لن يتساهل مع مثل هذه التصرفات “المشينة أو العنصرية”، مما دفعه إلى فتح إجراءات تأديبية ضد المكسيك، بعد أن هتف مشجعو المكسيك هتافات ضد المثلية في مباراة منتخبهم أمام ألمانيا.

ومن التجاوزات التي سجلت حتى الآن في المونديال الروسي، مضايقة مشجع روسي للصحافية الكولومبية جولييث غونزاليس في قناة “دويتشه فيله” الألمانية الخميس خلال بث مباشر، إذ قام بلمسها والتحرش بها وتقبيلها رغما عنها، قبل أن يقدّم اعتذاره في اليوم التالي.

يرى لودوفيك لسترولان، أستاذ الأبحاث في العلوم الاجتماعية والرياضة في جامعة كاين نورماندي، أن “المشاركة في هذا الاستعراض الكروي أشبه بلحظة فك الارتباط، تخفيف الضوابط، لحظة نسمح فيها لأنفسنا بكلمات أو حتى سلوك فاحش (…) إنها مسألة معقدة جدا، لأنه من الصعب دائما معرفة مدى إيمانهم بما يقولونه في الملعب، والتزامهم بما يفعلونه هناك”.

ويؤكد لسترولان أنه بشكل عام، لم تعد المدرجات مسرحا للتصرفات المسيئة بالقدر نفسه، مضيفا “أن هامش المخالفات أصبح أقل بكثير في يومنا هذا”، وان السيف “مسلط فوق رؤوس المشجعين المتشددين أكثر مما كان عليه الوضع قبل 20 أو 30 سنة مضت”.

وأحيانا تكون عواقب المخالفات وخيمة مثل القرار الإداري بالمنع من دخول الملعب، بحسب بيار ريفييون، رئيس الرابطة الوطنية للمشجعين في فرنسا، مضيفا، “ما نريده هو أن تبقى المدرجات مساحة للحياة والتعبير”.

17