مواقع التواصل الاجتماعي تتحكم في مصائر الناس في "اختيار إجباري"

عالم مواقع التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا"، أصبح المحرك الرئيسي لحياة الكثير من البشر لكونه جزءا لا يتجزأ من تفاصيل حياتهم اليومية، لكن قد يظهر في هذا العالم الافتراضي شخص واحد يستغل مثل هذه التفاصيل الخاصة لينسج منها قصصا أكثر تعقيدا وخطورة، وهذا ما تدور حوله أحداث مسلسل "اختيار إجباري".
الخميس 2017/01/26
شخصيات لا تملك مصيرها بين يديها

آدم، هو الشخصية التي يقدمها الفنان أحمد زاهر في مسلسل “اختيار إجباري” الذي بدأ عرضه مؤخرا، رجل تجمعه صداقة قديمة تمتد إلى 12 عاما مع صديقيه مالك، الذي يلعب دوره الفنان كريم فهمي ويوسف الذي يجسده المطرب خالد سليم، ورغم اختفاء آدم كل هذه السنوات عن صديقيه واستقراره في نيويورك، إلا أنه يعود وفي جعبته من الألغاز والمفاجآت ما سيعيد تشكيل حياة هذين الصديقين من جديد.

المؤلف حازم متولي في “اختيار إجباري” يقتحم العالم الافتراضي من زوايا متعددة، ويفند الكثير من الشرائح المجتمعية، سواء المراهقين أو الكبار أو المرأة، ويتعرض لما تشكله مواقع التواصل الاجتماعي من سيطرة وقلق على حياة هؤلاء، وهو ما يظهر في نموذج ياسمين التي تلعب دورها الفنانة مي سليم زوجة خالد سليم، والتي تراقب جميع متابعاته من الفتيات عبر صفحته الشخصية، لأنها تشك في تصرفاته طوال الوقت.

الغموض هو الشعار الذي يحمله هذا العمل، فرغم مرور الحلقات الخمس الأولى منه، إلا أن جميع التفاصيل والشخصيات لم تظهر حتى الآن سوى مرة واحدة، بينما الشخصيات الأخرى التي تتحكم في مسار الأحداث تظهر بين الحين والآخر، مثل آدم، ولا يعرف المشاهد أي تفاصيل واضحة عنها، ورغم اجتهاد المؤلف في إضفاء المزيد من العصرية على الأحداث، خصوصا في اللغة المستخدمة بين المراهقين أو عبر التواصل بين شخصيات العمل، إلا أنه ثمة أزمة في المسلسل من تلك الناحية.

الأزمة في المسلسل تتمثل في استخدام لغة "الفرانكو آراب" المتداولة في المحادثات بين شخصيات العمل، وهي لغة تجمع بين المعنى العربي والكتابة بالحروف الإنكليزية، وبالتالي فإن المشاهد سيجد حركة أشخاص المسلسل غير طبيعية، لأنه لا يفهم تلك اللغة، خصوصا وأن القاعدة الجماهيرية من مشاهدي التلفزيون تضمّ مستويات فكرية وثقافية متعددة.

وبالرغم من خط الغموض الذي يجعل آدم (أحمد زاهر) هو الشخصية المحركة للأحداث، إلا أن ثمة ملامح توضح له، ففي الحلقة الأولى يبعث برسالة إلكترونية إلى أصدقائه يبلغهم فيها بموعد وصوله إلى القاهرة وضرورة مقابلته لهم، ثم يخبرهم بمعرفته للبعض من أزماتهم المادية وفي أعمالهم أيضا، وهنا يبدو آدم وكأنه يحمل ضغينة أو تدبيرا “جهنميا” لهم، من خلال إلقائه نظرة على صفحاتهم الشخصية وعلى صور الأصدقاء المقربين منهم.

المخرج التونسي مجدي السميري ينجح في توظيف شخصياته ويجيد عرض لغتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي

ويظهر آدم في مشاهد أخرى متأثرا بصورة طفل يراه بعد تصفحه لصورة امرأة، وهنا يبدو وكأنه كان على صلة قديمة بها أو أنه فقد ابنا له فيتأثر عند رؤية هذا الطفل، ثم نراه يبعث برسائل وهمية من "إيميل آخر" إلى أصدقائه، ويدبر وقائع حادث في مقابلتهم الأولى يوهمهم من خلاله بفقدانه لزوجته وابنه عقب إطلاق رصاص عليهم من مجهول يشير إلى تدبيره لحادث أعظم، قد يكون متعلقا بحادث سياسي أو اجتماعي عام.

اختيار المؤلف لاسم “اختيار إجباري” للمسلسل جاء كنوع من إضفاء المزيد من التشويق والإثارة عليه، فالاختيار دائما يكون برغبة الشخص، ولكن الإنسان قد يكون مجبرا على خيار معين في حياته، إذا كان ذلك يحمل تهديدا لمستقبله أو مستقبل أسرته، وهو ما تجسده الحلقات الأولى لشخصية آدم الذي سيصبح متحكما في مصير أصدقائه في ما بعد.

وبالتأكيد فإن المؤلف مازال يُخفي الكثير من الغموض في علاقات الأشخاص، خصوصا في الحلقات الأولى، وبالطبع سيكون ذلك في إطار استمرار الجذب والمتابعة من المشاهد، وسيستمر المسلسل معه لنحو 60 حلقة، غير أن الغموض يتم تقديمه بإيقاع بطيء قليلا عما هو مفترض في هذا النوع من الأعمال.

على سبيل المثال، فإن يوسف (خالد سليم) بالرغم من الإعلان عن معاناته من أزمة مادية بسبب ديون والده، حيث تجعله يبحث عن مشتر للفيلا التي يمتلكها والده، إلا أن المشاهد لن يعرف إلا بعد حلقتين أو ثلاث أن هذا المنزل مصنف كآثار، وهو ما يكشف عن سبب رفض والدته بيع المنزل.

في مشاهد أخرى ستظهر فتاة تتحدث عن الثورة المصرية في التلفزيون، منوهة برفض الأوطان العربية للدكتاتورية وضرورة تطبيق الديمقراطية، ثم نجدها تظهر في مشهد آخر بعد اختفاء لتقف بجانب والدها، ويقول لها “خفي الكلام عن سوريا”، ثم تسأله هي عن خط سير رحلته من برلين التي يوجدان فيها إلى القاهرة التي سيلتقيان فيها بعد فترة، لكننا لا نعرف بالضبط ما هي طبيعة وظيفة الأب وما علاقة ذلك بالأشخاص الذين يعيشون في الخارج ويؤثرون في الحياة السياسية المصرية.

ورغم حرفية المؤلف في توظيف معالجات درامية مشوقة لمسلسله، إلا أن بطء عرض التفاصيل وانعدام ملامح البعض من الشخصيات المشاركة في العمل، مثّلا للمشاهد نوعا من الملل.

في المقابل، جاء المسلسل ذكيا في اقترابه من شريحة المراهقين من خلال ثلاث فتيات يشكل الإنترنت -وما يشمله من مواقع: فيسبوك، وواتس آب، وسكايب- مصير حياتهن، حيث كشف عن لغة الجيل الحديث وأسلوبه في التعامل مع أمور حياته، منتبها إلى إهمال وغياب دور الوالدين في التربية إما لعدم تفرغهما وانشغالهما بمتابعة أعمالهما أو لانفصالهما.

الفتيات المراهقات الثلاث يتعرفن على رجل أربعيني يظهر في حساب وهمي على الفيسبوك ويقدم نفسه في صورة شاب، ويبدو أنه سيشكل خطا دراميا آخر ضمن أحداث هذا العمل في ما بعد، إلى جانب الخط الآخر لشخصية آدم، خصوصا وأن حاتم (هذا الرجل الأربعيني) قد بدأ في الظهور بصورته وهيئته الحقيقيتين أمام الفتيات بأحد المشاهد.

المخرج التونسي مجدي السميري رغم أن هذه هي تجربته الأولى في الدراما العربية، إلا أن اختياره الجيد لأبطال المسلسل من حيث التوظيف بدا موفقا منذ الحلقات الأولى من المسلسل، وليس هذا فقط، بل إنه نجح في إضفاء أجواء من القتامة، التي تتوافق مع جو الغرف المغلقة لمجتمعات “السوشيال ميديا” ومع الغموض الذي تسير فيه أحداث العمل.

في مقابل كل ما سبق، بدا “اختيار إجباري” عملا يستهدف الشباب بالدرجة الأولى نظرا إلى طبيعة أحداثه وما يحيطه من أجواء الغموض والإثارة، إلا أن فرص متابعته لن يكون لها النصيب الأعظم لعدة أسباب، أهمها ربما قلة جماهيرية أبطاله الثلاثة لدى الشباب في مجال الدراما، حيث أن الفنانين خالد سليم وأحمد زاهر وكريم فهمي مازالوا في مرحلة الاجتهادات للاستحواذ على قاعدة جماهيرية كبيرة.

والحقيقة أن مثل هذه الأعمال التي تتمتع بأجواء الغموض والإثارة، تحتاج إلى بطل صاحب جماهيرية كبيرة لضمان الاستحواذ على المشاهدة، كما يحدث في أعمال الفنان يوسف الشريف على سبيل المثال.

16