مواقع التواصل الاجتماعي تدعم نفاق الأصدقاء

اكتسبت مواقع التواصل الاجتماعي شهرتها في العالم العربي عقب دورها المشهود في الحشد لما عرف بثورات الربيع العربي في عدد من البلدان، حيث لعب فيسبوك على وجه خاص دور الوسيط السري بين النشطاء في غفلة من خبراء الأمن.
الخميس 2016/05/26
مستخدم مواقع التواصل الاجتماعي يرتدي جميع الأقنعة

بمرور الوقت طغت المشاكل الاجتماعية العربية بما تحمله من نفاق ومشاعر مزيفة على طبيعة فيسبوك ليتجاوز حقيقته كوسيلة للتواصل الاجتماعي، ويتحول إلى نافذة لتبادل المجاملات والنفاق الافتراضي.

الضغط على علامة الإعجاب نوعا من التملق للمدراء أو المشاهير، وفي أحيان أخرى وسيلة للمجاملة الاجتماعية، فمن يمنحك إعجابا بمنشورك اليوم يتوقع منك أن ترده غدا. ثم زاد الطين بلة إضافة خمسة خواص جديدة للتفاعل مع المنشورات في فبراير الماضي، تتنوع بين الغضب والحزن والدهشة والحب والسخرية، لتعزز أقنعة النفاق والتملق التي ترتديها تلك الصفحات، كما قال نشطاء وخبراء في مواقع التواصل.

بات الوضع الآن أن الواقع الذي يحفل بأشخاص تقوم حياتهم على النفاق والكذب، انتقل إلى العالم الافتراضي، وطور نفس الأشخاص أساليب نفاقهم التي لا تعكس حقيقة مشاعرهم، لكنها تحقق مصالحهم، وتُمثل ما يرغبون في تصديره للطرف الآخر.

خبراء مواقع التواصل الاجتماعي رأوا أن توفير أساليب متنوعة للتعليق على التدوينات فاقم من انتشار آفة النفاق الافتراضي، وأن بعض المستخدمين اتخذوها أسلوبا لتحقيق مصلحة ما، بصرف النظر عن أفكارهم وقناعاتهم الشخصية.

أوضح عادل عبدالصادق مدير المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني والمتخصص في موقع التواصل أن الكثير من التعليقات وعلامات الإعجاب على فيسبوك شكل من النفاق، فأغلبها لا يأتي من قراءة أو مناقشة موضوعية لمضمون التدوينة بقدر ما يعد رسالة لصاحبها.

وفسر لـ “العرب” ذلك بأن العرف حاليا يقول إن الشخص يظهر إعجابه بتدوينات الآخرين كرد عليهم لأنهم أبدوا إعجابهم بتدويناته التي يبثها على صفحته، كما أن بعض الموظفين يسارعون للإعجاب بكل ما يكتبه المدراء ولو كان شكوى من الإسهال.

أغلب التعليقات وعلامات الإعجاب لا تأتي من قراءة أو مناقشة موضوعية لمضمون التدوينة

في بعض الأوقات يبادر المستخدم بإبداء إعجابه مسبقا لكى يقوم الآخرون بإبداء إعجابهم أو تفاعلهم مع منشوراته وهو ما يعد نوعا من النفاق الاجتماعي، والظهور بأنه مشهور وأن ما يكتبه ينال إعجاب الآخرين.

أشار عبدالصادق إلى أن البعض يقضي أوقاتا طويلة في التفاعل مع تدوينات الآخرين، عملا بمنطق “من قدم السبت وجد الأحد أمامه” حيث يضطر الآخرون إلى إبداء إعجابهم بما يكتبه بغض النظر عما يحتويه.

هناك من اتخذ أعداد الإعجاب والتعليقات كمؤشر على نجاحه، ووظفها من أجل الترويج لنفسه كشخص ناجح له معجبون، كذلك وسيلة للانتشار وزيادة رأس المال الاجتماعي في زيادة عدد العلاقات والصداقات على الفيس. دلل عادل عبدالصادق على عدم صحة هذا بأن العديد من الدراسات أثبتت أن عدد الأصدقاء الفعليين الذين يتفاعل معهم الشخص على وسائل التوصل الاجتماعي لا يتعدى 10 بالمئة من الأشخاص.

أشار خبراء في المواقع الإلكترونية إلى أن ظاهرة النفاق تشكلت على الفيس بوك بوجود طرفين في العالم الافتراضي، الأول يكون مصدر قوة ونفوذ وهيبة ولديه قدرة على بناء علاقات اجتماعية ولديه مكانة مميزة في المجتمع.

أما الطرف الثاني فمواقفه متلونة ومهزوزة وليس مرتبطا بدور مجتمعي، لذلك يسعى إلى النفاق لتلبية رغباته وحاجاته من الطرف القوي.

تجسد النفاق في البداية في طلبات الصداقة اليومية التي ترد من أشخاص لا يعنيهم ما تنشره ولا يحرك فيهم ساكنا، والهدف من طلب الصداقة امتلاك أكبر عدد ممكن من الأصدقاء.

النفاق بكل صوره يتجلى بوضوح عندما ينشر شخص مشهور تدوينة ما، وينهال عليها البعض بإعجاب وتعليقات مؤيدة

وربما يفسر هذا وجود 600 صديق لشخص ما على الفيسبوك، في حين أن عدد علامات الإعجاب على أي تدوينة له لا يتجاوز الخمسة، ولا يوجد أي تعليق عليه بالرغم من أهميته ورقيه. ينتبه الشخص في لحظة ما إلى أن تلك الصداقات وُلدت ميتة وغرضها النفاق وربما التجسس ويعطي لنفسه الحق بإلغاء تلك العلاقات وحذفها من قائمة الأصدقاء.

مؤخرا أصبح من المعتاد أن يعلن أصحاب الحسابات أنهم سيقومون بتصفية الأصدقاء غير المتفاعلين، مندهشين من عدم تفاعلهم بالرغم من أنهم هم من بادروا بطلبات الصداقة.

على جانب آخر، هناك عبارات مديح وثناء وتهان يغدقها البعض على شخصية مشهورة ويقومون بتمجيدها إذا تولوا مناصب هامة، بالرغم من أن المستخدم قد يكون قد سبق له ذم وانتقاد نفس الشخص ووصفه بأسوأ الألفاظ على صفحات أخرى تبعا لسياسة الصفحة.

“العرب” رصدت أن النفاق الافتراضي غالبا يرافق التدوينات الاجتماعية لشخص ما التي تحظى في المعتاد بالمئات من الإعجاب والتعليقات قبل حتى قراءة مضمونها، وأحيانا يتبارى المنافقون المتحمسون للتهليل لتدوينة قديمة أعاد الفيسبوك نشرها لتذكير صاحبها.

أوضح محمود علم الدين، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، أن الموضوعات الاجتماعية والترفيهية تكون غالبا مدخلا لتملق شخص ما، مقارنة بالمنشورات السياسية أو الاقتصادية، التي يتفاعل معها المنافقون فقط بتسجيل الإعجاب وليس التعليقات لأنهم لا يقرأون المحتوى. وأشار إلى وجود عبارات باتت متكررة تستخدم في كل وقت ولكل الأشخاص كنوع من المجاملة وهذا يساهم في جعل مواقف الأشخاص مصطنعة ولا تعبر بالضرورة عن شعورهم الحقيقي. قال علم الدين لـ “العرب”، “إن النفاق بكل صوره يتجلى بوضوح عندما ينشر شخص مشهور تدوينة ما، وينهال عليها البعض بإعجاب وتعليقات مؤيدة وكلمات ثناء ومديح في خلال دقائق رغم أنها قد تعارض أسلوب وطبيعة المُعلق نفسه”.

ظاهرة النفاق الاجتماعي تزايدت مع انتشار مواقع التواصل، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على المحسوبية والمحاباة كأسلوب للحياة. قالت هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع إن صفحات فيسبوك أصبحت شاهدة على “التلوّن الاجتماعي”، كما أن الخواص الجديدة التي أضيفت للتفاعل مع التدوينات ساعدت على تغذية النفاق، حيث يرتدي المُستخدم جميع الأقنعة، الحب والحزن والفرح وهكذا.

21