مواقع التواصل الاجتماعي تغمر النساء بالمال والشهرة وفرص العمل

المرأة تصنع وظائفها في العالم الافتراضي، والفاشينيستا و"الإنستغرامرز" يتحولن إلى نجمات ووجوه إعلانية تستفيد منهن الشركات والمطاعم والماركات العالمية.
الأحد 2019/02/17
وظيفة رقمية مهمتها الأساسية استقطاب المزيد من المتابعين

حوّل عدد كبير من النساء، من مختلف أنحاء العالم، مواقع التواصل الاجتماعي إلى سوق تعج بمختلف منصات التسويق والإعلانات. وبفضل الانتشار الواسع للإنترنت تمكّنّ من خلق مهن جديدة لهنّ في العالم الافتراضي، حيث أصبحت عدّة نجمات وفتيات، في الغرب كما في العالم العربي، شهيرات بفضل ما يعرضنه على إنستغرام وتويتر وفيسبوك وسناب شات، وغيرها من منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي أضحت منافسا قويا للمنصات الإعلانية التقليدية.

لندن – في الوقت الذي تتسبب فيه الثورة الرقمية في غلق أبواب بعض الوظائف تفتح أبوابا أخرى وآفاقا جديدة لم تكن متاحة من قبل. وبعض هذه الفرص الجديدة لا تشترط شهادات ومؤهلات علمية أو خبرات سابقة ورسائل تزكية، بل موهبة في التسويق وثقافة في مجال مواقع التواصل الاجتماعي وكيفية التعامل مع منصاتها.

ويعد هذا المجال التوظيفي الجديد “نسائيًّا” بامتياز. وأضيفت إلى معاجم التعريفات الوظيفية كلمات مثل “إنستغرامرز” و”يوتيوبرز”، وقبل ذلك انتشرت ظاهرة “البلوغرز”، وهي تسميات تنسب إلى الفتيات والسيدات اللاتي يطلقن منصات خاصة بهن في مجالات مختلفة أشهرها الموضة والطبخ.

تبدأ التجربة بنشر مجموعة صور خاصة، وبعض النصائح في مجال التجميل أو تنسيق الملابس، أو وصفات بعض الأكلات، لتتحوّل بعد ذلك التجربة إلى عمل يوفّر لصاحبته دخلا وشهرة، وتصبح خبيرة تشارك في البرامج بصفة مثل “فاشينيستا” أو “إنستغرامرز” متخصصة في الموضة.

وتتصدر منصة إنستغرام قائمة منصات التواصل الاجتماعي التي تستفيد منها الفتيات والنساء -وحتى الرجال وإن بنسبة صغيرة- في تحويل العالم الافتراضي إلى سوق يعرضن فيها مواهبهن ويفدن ويستفدن؛ فهي من ناحية مكنت العديد من الحالمات بتحقيق الشهرة والنجاح من إيجاد فرص عمل تلغي سنوات من التعب، ومن ناحية أخرى أوجدت المنصة موقعا للباحثات عن نصائح مجانية تساعدهن في الحصول على جمال متكامل يدخل فيه تنسيق الملابس والاختيار المثالي للمساحيق والإكسسوارات.

كما سمح الموقع الافتراضي بظهور عدد من الخبيرات في مجالات عدة، فإلى جانب عالم التجميل والمطبخ هناك مواقع متخصصة في التنمية الذاتية وتقديم النصائح للأمهات وديكورات المنازل، ومواقع تقدم إرشادات سياحية وغير ذلك من المجالات التي حولت “الإنستغرامرز” إلى نجمات ووجوه إعلانية تستفيد منهن الكثير من الشركات والمطاعم والماركات العالمية في حصد عدد كبير من المتابعين لصالحها.

مختلف مواقع التواصل الاجتماعي فتحت آفاقا وظيفية جديدة للعديد من النساء، تقدم لصاحباتها امتيازات تتحدد أساسا بحسب عدد متابعيهن

وتبرز تجربة خبيرة التجميل الأميركية من أصل عراقي هدى قطان كمثال على هذا النجاح. وقد صنفتها مجلة فوربس كواحدة من أغنى 100 سيدة أميركية حققت نجاحها بنفسها، محتلة المركز الـ37 على القائمة.

وأصبحت خبيرة التجميل مالكة لعلامة “هدى بيوتي”، وقيَّمت فوربس أرباح هذه العلامة التجارية بمليار دولار منذ إطلاقها عام 2013، إذ تبلغ أرباح منتجاتها التي تخطت الـ140 منتجا، نحو 200 مليون دولار سنويا.

وتتحدث قطان عن تجربتها قائلة إن النجاح يتطلب عملا دؤوبا للوصول إلى القمة، مشيرة إلى أن “هدفنا أن نكون مصدر إلهام لمن يتابعنا على منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة وخصوصا إنستغرام، حيث نركز على المحتوى الجيد والمفيد للجميع، والذي يحفز على النجاح والمثابرة وامتلاك أدوات المنافسة والطموح والتطلع إلى آفاق بعيدة لتحقيق النجاح الدائم”.

وحول تأثير الشبكات الاجتماعية على أعمالها، أكدت أن وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر سلاحا ذا حدين، موضحة أن آلية التواصل تتطلب وقتا وجهدا ومحتوى مبتكرا متجددا، وإلا جاءت نتيجة التواصل سلبية وغير فعالة.

وتشفع لهذا النجاح الأنثوي الذي صار ظاهرة عالمية في وقت وجيز وأخذ يتزايد ويتوسع، سهولة الولوج إلى هذا العالم الرقمي دون شروط أو قيود أو ترتيبات إدارية أو مبالغ مالية ضخمة، إذ يكفي أن تتحلى الفتاة الراغبة في أن تكون مؤثرة في الآخرين وأن تكتسب جمهورا عريضا، بالتفكير السليم والوعي وتتمتع بسمات شخصية خاصة في مجال التقديم والإقناع واختيار الموضوعات التي تتعلق بقضايا المرأة.

امتيازات مرتهنة بعدد المتابعين

كايلي جينر وثروة خيالية من جمهور المتابعين
كايلي جينر وثروة خيالية من جمهور المتابعين

قال محمد طحان، الخبير والمدرب في الإعلام الرقمي الأردني، نقلا عن العرب ويكلي “عادة ما يكون أصحاب الحسابات المعنية شبابا يمتلكون بعض مهارات التواصل، ويعرفون كيف ومتى يلتقطون الصور، وما هي الكلمات الرئيسية التي يجب أن يستخدموها، ومن يجب عليهم أن يتواصلوا معه لتحقيق شهرتهم”.

تقدم هذه الوظيفة الرقمية امتيازات لصاحباتها تتحدد أساسا بحسب عدد متابعيها، فمهما بلغ ثراء قطان مثلا المادي، فإن ثروتها الحقيقية لتحقيق كل هذا النجاح تتمثل في امتلاكها 30 مليون متابع عبر إنستغرام و2.4 مليون مشترك عبر قناتها الرسمية على يوتيوب، في حين أن صفحتها على فيسبوك تستقطب 4.8 مليون متابع.

وتستفيد المدونة من هذا الثراء في العالم الافتراضي عبر تلبيتها نداء بعض دور الموضة والمطاعم، وذلك بمشاركتها متابعيها فيديوهات وصورا لها وهي تأكل في مطعم معين أو تتسوق من محلات بعينها أو ترتدي ماركات دون أخرى أو تمارس رياضة في بعض النوادي، فيتلهف متابعوها على تقليدها والتقاط صور لهم تؤكد زيارتهم أيضا لهذه الأماكن، فيكون حظها من ذلك التمتع بخدمات مجانية مقابل خلقها وسيلةً جديدة وسريعة للنشر والدعاية والترويج.

مجلة فوربس الأميركية: "كل ما تفعله نجمة تلفزيون الواقع كايلي جينر لكسب كل هذه الأموال والشهرة هو استخدام جمهورها على وسائل التواصل الاجتماعي".

وأثبتت الفنانة التونسية منال عمارة أنه بالإمكان الاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي واستثمار ارتفاع عدد المتابعين لترجمته إلى شهرة وثراء فاحش وسريع، حيث كشفت في أحد البرامج التي خصتها بحلقة تحدثت عن نهجها الجديد بالتوازي مع الغناء والتمثيل، عن أسطول كامل من التقنيين والمصورين المجندين لمشاركتها كل يومها، ونقله إلى المتابعين بشكل فوري.

هذا الأسلوب في الحياة منحها الكثير من الامتيازات كما خدمها في مشوارها الفني ونقلها بين عدد من الدول والفنادق الفاخرة والماركات العالمية، لتدخل بمتابعيها في عدد من المغامرات وتكون دليلهم لاختيار الأفضل من كل شيء. ونجحت الفنانة التونسية في أن تكون رائدة في مجال صار يستوعب أكثر من قبل عددا متزايدا من النجمات اللاتي خطون على خطى بن عمارة، مما فتح بابا جديدا للمنافسة بينهن.

وبينت دراسة أجريت مؤخرا في الولايات المتحدة أنّ مستخدمي إنستغرام يسجلون إعجابهم بـ4.2 مليار مشاركة كل يوم. وتتلقى حسابات العارضات والحسابات القائمة على كل ما يتعلق باللياقة البدنية أغلب هذه “اللايكات”. ووصلت تمويلات المؤثرين في إنستغرام إلى 1.6 مليار دولار في 2018، حسب تصريح شركة ميدياكيكس الأميركية للاستشارات الإعلامية.

تغيير قواعد المشهد الإعلامي

هدى قطان صنعت نجاحها عبر "سوشال ميديا"
هدى قطان صنعت نجاحها عبر "السوشيال ميديا"

فتحت منصات ومواقع التواصل الاجتماعي آفاقا جديدة للعديد من النساء، لكنها في الوقت نفسه ضيقت على وسائل التسوق المعتادة في وسائل الإعلام التقليدية؛ وهو تطور طبيعي وفق الخبراء، فصناعة الإعلانات والتسويق تتطور وفق تطورات العصر ووسائل التأثير.

وتشير الدراسات إلى انخفاض حاد في متابعة وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة أمام ارتفاع نسب استعمال الأجهزة المحمولة، في الوقت الذي يتحول فيه انتباه عدد متزايد من الشباب من القنوات الإعلامية الكلاسيكية إلى منافذ مواقع التواصل الاجتماعي التي يسهل التعامل معها في أي وقت وأي مكان.

في الأردن، على سبيل المثال، يمتلك حوالي 260 ألف مواطن حسابا على إنستغرام، ويمتلك 4 ملايين منهم حسابا على فيسبوك. وأظهرت بيانات صادرة عن دراسة شملت المؤثرين في سنة 2017، استخدام هؤلاء الشباب لأغراض تسويقية.

وقالت المدونة الأردنية ساندرا -وهي شابة شقراء نحيلة في العشرينات من عمرها- حين سئلت عن طبيعة عملها “أنا فاشينيستا! ألهم السيدات الشابات على اتباع أحدث صيحات الموضة، وأقدم نصائح حول مختلف التصاميم، ويتابعني حوالي 40 ألف شخص”. وتعتبر هذه الشابة الأردنية واحدة من بين عدد متزايد من الشباب الأردنيين الذين يكتسبون الدعاية والشهرة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، عبر بث جميع زوايا حياتهم للمشاهدين، أو اختيار بعض اللقطات لمشاركتها مع متابعيهم، أو تقديم اقتراحات حول عدد من الأماكن والأنشطة.

وجاء الطلب عليها نتيجة العدد الكبير من المتابعين لمدونتها. وتقول هند -وهي أردنية، تبلغ من العمر 23 عاما- “أنا مهووسة بحساب ساندرا. أنا أقلد تمارينها الرياضية ونظامها الغذائي تقليدا تاما! وأنا على يقين من أن مهاراتي في التصوير وشغفي بالرياضة سوف يكسبانني عددا كبيرا من المتابعين يتجاوز عدد معجبيها”.

نموذج جديد من المشاهير

الفنانة التونسية منال عمارة استثمرت ارتفاع عدد متابعيها لترجمته إلى شهرة وثراء
الفنانة التونسية منال عمارة استثمرت ارتفاع عدد متابعيها لترجمته إلى شهرة وثراء

في الكويت أثارت الفاشينيستا عهود العنزي ضجة كبرى، بسبب انتشار مقطع فيديو على مختلف الشبكات الاجتماعية يصورها وهي ترمي منتجات تجميل على الفتيات. وبررت صنيعها هذا بأنها اضطرت إلى ذلك أمام تهافت الفتيات وتدافعهن للحصول على منتج تجميل خاص بها، وهو عبارة عن “أحمر شفاه”، خلال حفل ترويج برعاية شركة “ماك”، في أحد مراكز التسوق.

ويبرز هذا التدافع على ماركة معروفة في عالم التجميل مدى تأثير الشابة على متابعاتها أكثر من تأثرهن بالماركة العالمية في حد ذاتها. وهذا التأثير جعل من  -أصغر فتيات عائلة كارداشيان الأميركية الشهيرة- تحتل المرتبة الأولى في قائمة أغنياء إنستغرام لسنة 2018، ضمن تصنيف مجلة فوربس، إذ أن أي جهة ترغب في الترويج لمنتجاتها على حسابها يجب أن تدفع مليون دولار.

ولا تحتاج كايلي جينر إلى أكثر من سبعة موظفين فقط، لإدارة ثروتها وأعمالها، وكما تقول فوربس “كل ما تفعله جينر لكسب كل هذه الأموال هو استخدام جمهورها على وسائل التواصل الاجتماعي”.

ولم تكتف جل نجمات الإنستغرام خصوصا من المشاهير بالترويج لشركات وماركات عالمية بل خلقن أيضا ماركات خاصة بهن، وهو ما يؤكد أن هذه الوظيفة الرقمية ليست آخذة في استقطاب المزيد والمزيد من الفتيات فقط، بل تنامت في مجال بعث ماركات ومنتوجات مستحدثة وخلق وجوه إعلامية جديدة حتى تكون سفيرة الواقع داخل العوالم الافتراضية المختلفة وخارجها.

20