مواقع التواصل الاجتماعي ساحة خلفية لحرب حقيقية موازية

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد أداة للترفيه وتحقيق التواصل بين الأفراد بل باتت لاعبا رئيسيا وفاعلا في المتغيرات الدولية، أهمها الجانب السياسي الذي جسده ما سمي بثورات الربيع العربي التي كان الفيسبوك محركها الأساسي والذي قاد الجماهير إلى الشارع كما قاد الناخبين مؤخرا إلى الاقتراع لصالح مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب ليصبح الرئيس الجديد للولايات المتحدة، ما يجعل هذه المواقع أداة للتوظيف وساحة خلفية لحروب موازية، ويطرح دورها بذلك إشكاليات عديدة.
الاثنين 2016/11/14
سلاح نافذ

كشفت المتغيرات الدولية التي يعيشها العالم في السنوات الست الأخيرة عن وجه آخر مختلف للمواقع الإلكترونية ينبه إلى مدى خطورتها بعد أن تمكنت من تشكيل الأنظمة السياسية في العالم ليجعلها تتحول بذلك إلى ساحة خلفية لممارسة حروب حقيقية موازية، وهو ما يطرحه الباحث إيهاب خليفة في كتابه “حروب مواقع التواصل الاجتماعي”.

ويحذر الباحث د.إيهاب خليفة -منسق وحدة متابعة التطورات التكنولوجية، بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي- في إصداره من الخطورة التي تحملها مواقع التواصل الاجتماعي الآن ومستقبلا.

ويرى أنه بتجاوز عدد مستخدميها 2 مليار مستخدم، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد أداة للترفيه وتحقيق التواصل بين الأفراد، بل ظهر لها وجه آخر قبيح، وتحولت إلى ساحة خلفية لممارسة نوع جديد من الحروب، هي بالأساس حروب أفكار، وطرحت عدة إشكاليات رئيسية، منها الأمنية المتعلقة باستخدام المنظمات الإجرامية والجماعات الإرهابية لمواقع التواصل الاجتماعي كويسلة لتهديد الأمن الدولي، ومنها السياسية المتعلقة بضمان حق الأفراد في تحقيق التواصل الآمن بينهم دون اختراق لخصوصيتهم، أو تهديد لحريتهم في إبداء الرأي والتعبير، ومنها الثقافية التي تتعلق بالحفاظ على الهوية والقيم والمعتقدات التقليدية في عالم مفتوح الثقافات ولا يعترف بالحدود الجغرافية.

وقال خليفة في كتابه الصادر عن دار العربي للنشر ووقع نسخته الأولى ضمن فعاليات الدورة الـ 35 لمعرض الشارقة الدولي للكتاب “لقد تشكلت جبهة حرب حقيقية موازية، ساحة القتال فيها هي مواقع التواصل الاجتماعي، وأدوات القتال هي الفكرة والمعلومة والصورة والفيديو وبرامج التجسس واختراق الخصوصية، والخسائر فيها تتنوع ما بين السياسية والاقتصادية والأمنية، تبدأ بمستوى الفرد وتنتهي بمستوى الدولة وهو ما دفع بعض الدول لإنشاء كتائب وجيوش إلكترونية مهمتها الرئيسية الدفاع عن صورة الدولة، والمساهمة في تحقيق أهدافها ومواجهة أعدائها، فبدت في الأفق ظاهرة جديدة قيد التشكيل، يمكن تسميتها حروب مواقع التواصل الاجتماعي”.

أكد الباحث إيهاب خليفة في مقدمته أن الكتاب دراسة بحثية لهذه القضية بالتطبيق على منطقة الشرق الأوسط.، ولفت إلى أن حروب مواقع التواصل الاجتماعي جاءت لتصبح أحد أركان حروب الجيل الرابع بما تميّز به من خصائص مثل تغيّر طبيعة الخصوم، والأهداف، والأسلحة، والفاعلين الرئيسيين في هذه الحرب؛ إذ لا تستهدف هذه الحرب تحقيق نصر عسكري بقدر تحقيق نصر سياسي معنوي، يستهدف كسر الإرادة، ورفع كلفة الخصم باستمراره في صد هذه الهجمات.

نوع جديد من الحروب

أوضح الباحث قائلا “نحن نتحدث عن نوع جديد من الحروب يندرج تحت نطاق حروب الجيل الرابع، التي تعتمد على استخدام كل الوسائل التكنولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية من قبل مجموعات غير نظامية بهدف إجبار العدو على التخلّي عن سياساته وأهدافه الاستراتيجية، فالعدو غير معروف أو مرئي أو متكافئ في القوة، والتهديد الذي يمثله يصعب توقع مصدره، والإصابة به تفقد الدولة توازنها بأقل مجهود، وتمثل المعلومة عنصر الحسم في هذا الصراع.

إيهاب خليفة: نحن نتحدث عن نوع جديد من الحروب يندرج تحت نطاق حروب الجيل الرابع

ونركز فيها على نوع معين من الحروب هو حروب الشبكات والتي يقصد بها ‘محاولة تشويه أو تدمير أو تحوير ما يعرفه أو يعتقد أنه يعرفه مجموعة من الأفراد تجاه هذا العالم’، والتي تشمل استخدام كافة أنواع الدعاية ووسائل الإعلام بهدف تشويش الذهن، والتشكيك في الحقائق، ورفض المُسلَّمات، ونتعمق أكثر في هذا الكتاب بالتركيز على نوع معين من هذه الحروب، هو حروب الشبكات الاجتماعية والتي تشمل مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، فنحن نركز هنا على ورقة من غصن من فرع من أصل، بهدف رسم صورة شبه واضحة عن الظاهرة المرجو دراستها وفهمها، وعدم تشتيت الذهن”.

ولفت إلى أنه عند الحديث عن عناصر هذه الحرب نجد أن الجميع يشارك فيها، على عكس الحروب التقليدية والتي تكون بين جيشين نظاميين، أو حتى الحروب مع الجماعات غير النظامية، سواء أكانت جماعات إرهابية أم عصابات إجرامية، فكل من يمتلك وصلة إنترنت سواء في الهاتف المحمول أو في الكمبيوتر، ولديه حساب على أحد مواقع التواصل أو التطبيقات الاجتماعية، أصبح جزءًا منها، رغب في ذلك أم لم يرغب، أدرك ذلك أم لم يدركه.

وأضاف “إنَّ تأثير مواقع التواصل بما تلعبه من أدوار سياسية أو اجتماعية أو أمنية، هو الذي يمنعك من أن تبتعد عن هذا العالم السحري ولعل أحد أهم مميزاتها، القدرة على التخفي وعدم الظهور بالشخصية الحقيقية، وهو ما يعتبر من وجهة النظر الأمنية إحدى سلبياتها، ليس ذلك فحسب بل أيضاً عدم القدرة على التأكد من صحة المعلومات المتداولة من خلالها أو وقف انتشارها، الأمر الذي جعل منها سلاحاً إعلامياً فعالاً، بما تمتلكه من عدد مستخدمين يقترب من 2 مليار مستخدم، فأصبحت إحدى الأدوات الرئيسية التي يتم توظيفها في المعارك السياسية والعسكرية، لتحقيق الأهداف الاستراتيجية سواء لدولة أو لجماعة ما”.

أداة للتغيير السياسي

نبه الباحث إلى أن هذه المواقع تتميز بوجود رأي عام إلكتروني قوي يتشكل بداخلها، قادر على الانتقال السريع إلى الشارع، وأصبحت المعلومات المتوافرة عليها مادة ثرية لوسائل الإعلام التقليدية كالصحافة والتلفزيون، فاتجهت لنقل أخبارها وتقديم نشرات يومية عما يُثار بداخلها، وأبرزت الاتجاهات السائدة فيها، وبذلك ساهمت في وصولها إلى فئة جديدة، غير راغبة أو غير قادرة على الانخراط فيها، كما أنها مثّلت مصدراً هاماً للمعلومات، سواء للأفراد أو للشركات أو للحركات السياسية. وهذا الأمر هو الذي دفع بعض الدول إلى إنشاء كتائب وجيوش إلكترونية، مهمتها الدفاع عن صورة الدولة، والمساهمة في تحقيق أهدافها، فتشكلت جبهة حرب حقيقية موازية، ساحة القتال فيها مواقع التواصل الاجتماعي، وأدوات القتال الفكرة والمعلومة والصورة والفيديو وبرامج الكمبيوتر العملاقة، والخسائر فيها تمثل خَصْما من اتجاه الرأي العام المؤيد لأحد طرفي الصراع، أو فشل الدولة في تحقيق التعبئة العامة نحو أحد أهدافها، أو انتهاكا لخصوصية الأفراد وسرقة المعلومات.

لذلك اتجهت العديد من وسائل الإعلام التقليدية إلى هذه الشبكات لعرض ما فيها من أخبار وتفاعلات وتصريحات وبيانات وأيضاً أصبحت تطبيقاتها بمثابة نافذة رسمية للعديد من الرموز السياسية للإدلاء بتصريحاتها من خلالها، وعملت وسائل الإعلام التقليدية على خلق نوافذ صحافية لها على هذه الشبكات لعرض المحتوى الإعلامي الخاص بها عليها، حتى لا تفقد حصتها من القراءة، خاصة لدى فئة الشباب.

وخلص الكاتب إيهاب خليفة إلى أنه رغم اعتبار البعض أن مواقع التواصل الاجتماعي ما هي إلا وسيلة للتعبير فإن البعض الآخر يرى أنها أداة رئيسية في عملية التغيير السياسي التي مرت بها بعض الدول العربية، في وقتٍ كان فيه الإعلام الرسمي والخاص يحتفظان بخطوط حمراء لا يمكن الاقتراب منها؛ إذ مثّلت أداة مهمة للنشطاء السياسيين لتحقيق عملية التواصل الفعال بينهم، وسرعة نقل أخبارهم وأماكن التجمعات وتداول خرائط التظاهرات ومعرفة أماكن تجمعات الشرطة لمحاولة تفاديها، فضلاً عن تحولها إلى منصة لنشر الانتهاكات التي تقوم بها أجهزة الأمن ضد النشطاء.

ورغم تعدد الظواهر السلبية في المواقع الإلكترونية يؤكد الباحث أن الغلبة كانت للظواهر السياسية حيث تم استخدام هذه الشبكات وبخاصة الـفيسبوك الذي تحول إلى وسيط لعمليات الحشد والتعبئة.

وأصبحت هذه المواقع الوسيلة التي تقوم من خلالها بعض الحركات الإرهابية مثل تنظيم داعش بتجنيد أفرادها، ونشر معلومات حول طريقة تصنيع المتفجرات والعبوات البدائية، وتنبيه بعض الإرهابيين إلى أماكن حيوية تتسبب في شلّ البنية التحتية للدولة مثل أبراج الكهرباء، وهو ما يعتبر تهديداً صريحاً للأمن القومي. وفي ذلك ظهر نوع جديد من الحروب يمكن أن يطلق عليها حروب مواقع التواصل الاجتماعي، لها نمط معين وخصائص معينة، تختلف عن الحروب التقليدية في الأدوات، لكنها لا تقل ضرراً في التأثير حيث تستهدف بنية الدولة الاجتماعية، وزعزعة استقرار النظام السياسي، وتكليف الخصم كلفة باهظة لرد هذا الهجوم.

كاتب مصري

6