مواقع التواصل الاجتماعي سُلطة معارضة في مصر

قرابة 10 ملايين حساب وهمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، سوف يطبق عليها قانون الجريمة الإلكترونية.
السبت 2019/08/31
الحشد قوة

القاهرة - لا يمر يوم في مصر دون إطلاق حملات على منصات التواصل ضد شخص أو مؤسسة أو جهة بعينها، أو حتى قرار حكومي، ويتم حشد الرأي العام لها، وفي كثير من الأحيان تنتصر الحملة ويتحقق الهدف، وتكتسب المنصات المزيد من النفوذ.

ما ساعد على ذلك أن غالبية الجمهور فقد الثقة في الإعلام التقليدي، ويمكن أن يكون حساب إلكتروني واحد مملوك لشخص أقوى من تأثير وانتشار صحيفة يومية.

ونجح مستخدمو مواقع التواصل، الأسبوع الماضي، في تقديم ستة أشخاص للمحاكمة بعد عقابهم وإذلالهم لشاب مصاب بإعاقة ذهنية والسخرية منه بشكل فج.

وكتبت سيدة، الأسبوع الماضي، عن شخص له قوام جسدي قوي كان يستقل سيارة فارهة بقرية سياحية، وتعدى بالضرب على مواطن أمام أولاده الصغار وهدده بالحبس والتشريد، لمجرد أن الأخير كان يقود سيارته ببطء، ونشرت القصة مرفقة بها رقم السيارة ولونها.

تحولت الواقعة إلى قضية رأي، وتحركت الشرطة وتوصلت إلى السيارة، لكنها لم تستطع محاسبة صاحبها على الاعتداء، لأن المجني عليه لم يحرر محضرا ضده، واكتشفت أن السيارة دون ترخيص، وتبين أنها مملوكة للسياسي المعارض أيمن نور الهارب في تركيا، ويقودها شخص آخر.

ونظم الآلاف من رواد منصات التواصل أخيرا حملة لإغلاق مطعم سوري في محافظة الإسكندرية، بعدما نشرت سيدة مقطع فيديو استغاثت فيه بالرئيس عبدالفتاح السيسي.

اضطر مسؤولو حي المنتزه بالإسكندرية أمام الغضب الجماهيري إلى غلق المطعم، وخرج صاحب المطعم في مقطع فيديو يتبرأ من تهديد السيدة، وقال إنها استغاثت بالرئيس كنوع من الضغط والترهيب، وتريد إجباره على شراء منزلها بمبلغ مالي كبير، ما دفعها للتنكيل به على مواقع التواصل.

تؤكد هذه الوقائع أن الشبكات الاجتماعية أصبحت سلاحا مزدوجا، فهي تقوم بدور إيجابي لإنصاف المظلومين والكادحين وتتصدى للفساد والبلطجة والخروج على القانون، لكن يتم توظيفها أيضا للانتقام وتصفية الحسابات مع الحكومة، واستغلال اندفاع وتعاطف الناس وعدم التحري عن مصداقية ما يتم نشره.

وتكمن الخطورة في أن المزاج العام أصبح مهيئا لتصديق كل ما ينشر لقناعة الناس أنه لم يعد هناك شيء مستحيل حدوثه، من جانب المسؤولين أو الموظفين أو المواطنين.

ويصل الأمر في أحيان كثيرة، أن ينجح بعض الخارجين على القانون في تحويل أنفسهم إلى أبطال، ويكفي أن يختلق أحد الأفراد واقعة ضد جهة رسمية.

وكانت قضية اتهام جمال عبدالعظيم رئيس مصلحة الجمارك السابق، بتلقي رشوة من رجل أعمال، قبل شهور، مثالا حيا على ذلك، إذ تمتلك الجهات الرقابية تسجيلات صوتية موثقة وهو يتفاوض على قيمة الرشوة، لكن أحد أقاربه نجح في إثارة الجدل حول الواقعة بالتشكيك في أبعاد القضية والإيحاء أن هناك مسؤولين يريدون التخلص منه.

بعدها تحولت الآلاف من الصفحات لمساندة المتهم، وخرج الرئيس عبدالفتاح السيسي في إحدى المناسبات وقال إن واقعة الرشوة موثقة وليس هناك داع للتشكيك فيها.

ويرى مراقبون، أن تكرار التطرق إلى القضايا والأحداث التي تثار على منصات التواصل من جانب الرئيس المصري، دفع الكثيرين ليجعلوا منها الوسيط الأسرع والأقوى قدرة على توصيلهم لقمة هرم السلطة، فإن لم يستجب لما يُنشر، فعلى الأقل سيكون على معرفة، ما دام يتابع كل شيء بنفسه.

يقول هؤلاء، إن المتابعة من جانب الحكومة لمواقع التواصل وتأثرها بما يثار، أغرى بعض الأطراف المناوئة لأن تستخدم الفضاء الإلكتروني كسلاح سهل وفعال ضدها، سواء بنشر الإشاعات، أو إظهار جهات رسمية أنها تخدع الرأي العام، مستغلة أن الناس لم تعد تفرق بين الشائعة والحقيقة.

واعتادت هذه الفئة استخدام حسابات بأسماء وهمية، وبعد القيام بالمهمة المحددة يتم غلق الحسابات مرة أخرى، ويسمى هؤلاء بـ”اللجان الإلكترونية”، ومن أهم أدوارها محاولة تحريك الرأي العام في اتجاه بعينه.

ووفق لجنة الاتصالات في البرلمان المصري، فإن هناك أكثر من 10 ملايين حساب وهمي لمصريين على فيسبوك، سوف يتم تقويضها في دور الانعقاد الجديد، مطلع أكتوبر المقبل، بقانون الجريمة الإلكترونية الذي يعاقب أصحاب الحسابات الوهمية بالحبس والغرامة.

وأكد باسم سعيد، وهو باحث ومتخصص في تكنولوجيا المعلومات لـ”العرب”، أنه مع وجود قناعة لدى الناس أن منصات التواصل أكثر ما يثير إزعاج مؤسسات الحكومة، لجأ البعض للتعامل معها كمنبر معارض، حتى أن تنظيم الإخوان والتيارات الداعمة له، أصبحت ترى في هذه المواقع ثغرة آمنة وأكثر فاعلية لتصدير التوتر والقيام بحرب نفسية دون رقيب أو محاسبة.

ويغذي هذه الحالة، أن الهيئات الحكومية لا تستوعب حتى الآن مدى سرعة وسائل التواصل الاجتماعي في نقل المعلومة والحدث، والتحرك واتخاذ موقف أو شرح الحقيقة للناس بشكل سريع، لكن مع تحول وسائل الإعلام التقليدية إلى نشرات وبيانات صحافية، أصبحت تنتظر الرواية الرسمية التي يستغرق صدورها ساعات وأحيانا أياما.

ما يزيد الأزمة، أن الكثير من المواقع الإلكترونية أصبحت تنقل من شبكات التواصل دون أي تدقيق أو تحر، ما يجعل الناس تتعامل مع المنشور باعتباره صحيحا وموثقا، ما يزيد انتشار الخبر أو الواقعة ويزداد الضغط على الجهة المسؤولة، ثم تصطدم هذه المواقع بأنها وقعت في مصيدة التكذيب وشاركت في صناعة أزمة للحكومة.

19