مواقع التواصل الاجتماعي فضاءات مفتوحة للتسوّل

المتسولون يحققون مكاسب مالية سهلة وسريعة بوسائل تكنولوجية حديثة.
السبت 2020/05/16
مد اليد افتراضيا أسهل من بسطها في الواقع

مواقع التواصل الاجتماعي تمنح المتسولين منفذا لتحقيق مكاسب مالية سهلة وسريعة، في ظل تصديق مستخدمي هذه المواقع كلّ ما يحوكه هؤلاء الأشخاص المتواكلون من قصص وهمية، ويساهمون في نشرها على نطاق واسع.

يستمر الحجر المنزلي جراء تفشي فايروس كوفيد – 19 في معظم الدول العربية، ومعه تزداد الأزمات المالية الخانقة، لتدفع بالكثيرين إلى حافة اليأس، وتجبرهم على طلب المساعدة من الأقرباء وحتى من الغرباء.

وتزامنا مع فرض إجراءات الإغلاق وإلزام الناس بالبقاء في منازلهم للحد من انتشار الوباء، برزت ظواهر لافتة، من بينها الطرق الإلكترونية في طلب الإعانات المالية من أي شخص، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه على أرض الواقع.

وبينما يواجه العالم أسوأ تباطؤ اقتصادي منذ الكساد الأكبر (في أواخر عشرينات القرن الماضي)، يتوقع الخبراء أن يعاني الكثيرون في الدول العربية من الفقر.

مختار الجماعي: كل طريقة لطلب المال يمكن أن تأخذ شكلا من التسول
مختار الجماعي: كل طريقة لطلب المال يمكن أن تأخذ شكلا من التسول

ومن غير المستبعد أن يصعب الوباء الجديد حياة من يعيشون بالفعل في ظروف اجتماعية صعبة، ويضيق السبل أمامهم للوصول إلى الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

ويبدو أن أيسر الطرق لاستجداء عطف الناس هو كتابة رسالة إلكترونية على منصات التواصل، والعمل على نشرها على نطاق واسع، ثم انتظار ماذا سيأتي من وراء ذلك.

وكتب أحدهم على فيسبوك يقول “أنا شاب عمري 27 سنة أعيل إخوتي الستة ووالدي، وفي الظرف الحالي إني محتاج إلى من يساعدني بألف دينار حتى نستطيع مجابهة المصاريف في رمضان في الظرف الراهن، وأعد من يقدم لي العون بسداد المبلغ عندما تنفرج بإذن الله، وأترك له جميع المعلومات الشخصية الخاصة بي حتى يتأكد من أنني لن أتحيل عليه أو أخدعه”.

وكتبت مدونة أخرى تقول “أنا امرأة أعيش مع ولدي الصغير المريض، أطلب العون من جميع التونسيين، بما استطاعوا وأجرهم عند الله عظيم، فأرجو مساعدتي حتى بنشر هذه الرسالة، وأنا على يقين من أن قلوب التونسيين مليئة بالرحمة”.

وتتعدد القصص التي ينشرها أصحابها على مواقع التواصل الاجتماعي، للتحدث عن الفاقة وضيق الحال بسبب إجراءات الإغلاق، وفي بعض الأحيان يعرضون صورا أو مقاطع فيديو لإبراز حالاتهم الاجتماعية أو معاناتهم من المرض، وعجزهم عن توفير مصاريف العلاج، حتى يجعلوا قصصهم تبدو أكثر واقعية.

منشورات وهمية

الوباء الجديد يصعب حياة من يعيشون بالفعل في ظروف اجتماعية صعبة
الوباء الجديد يصعب حياة من يعيشون بالفعل في ظروف اجتماعية صعبة

لكن بقدر ما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في مساعدة العديد من الفقراء على تخطي محنهم والصعوبات المالية التي يواجهونها في الظرف الحالي، بعد أن وجدوا على منصاتها من يقدم لهم يد المساعدة، بقدر ما سهّلت على من يمتهنون مهنة التسول إمكانية تحقيق مكاسب مالية سهلة وسريعة، بأسلوب تكنولوجي متقدم.

ويعمل عدد كبير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في ترويج هذه الرسائل والقصص الإلكترونية التي ينشرها المتسولون، خاصة وأن العديد من تلك الرسائل تتضمن تشجيعا على فعل الخير. وقد تكون معظم هذه المنشورات وهمية، لكنها تلامس وترا إنسانيا حساسا، يدفع بالكثيرين إلى إظهار أنفسهم على أنهم محبون للخير، ويعطفون على الضعفاء والفقراء، فيتبادلون تلك المنشورات مع أصدقائهم ومعارفهم، رغم أنه ليس بوسعهم التحقق من صحتها، ولكنهم مع ذلك يساعدون على تسويقها في مجتمع الإنترنت.

واعتبرت الطالبة ألفة العياري أن الإيثار والعطاء وحب الخير للآخرين، أفضل ما في طبيعة البشر، ولذلك لا مانع لديها من مد يد المساعدة لمن يحتاج العون.

ألفة العياري: لم يعد بوسعنا التفريق بين المحتاج ومن يدعي الفقر
ألفة العياري: لم يعد بوسعنا التفريق بين المحتاج ومن يدعي الفقر

وقالت العياري لـ”العرب”، “المساعدات أنواع والاحتياجات تختلف من شخص إلى آخر لذلك يجب أن نساعد بالطريقة التي تحلو لنا، لكن للأسف الشديد ثمة مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تطلب المساعدات ولكنها على الأرجح تستعطف الناس من أجل الحصول على تبرعات بغير استحقاق”.

وأضافت “في مواقع التواصل الاجتماعي اليوم اختلط الحابل بالنابل ولم يعد بوسع المرء التفريق بين المحتاج ومن يدعي الفقر والحاجة، وقد أضر ذلك بقيم التكافل الاجتماعي والتعاطف مع الناس في ورطتهم.

وتميل العياري إلى تقديم المساعدات غير المادية مثل الملابس والأغذية للأشخاص الغرباء، أما الإعانات المالية فتسعى جاهدة إلى منحها إلى الأشخاص المحتاجين المقربين منها والذين تعرف أنهم أكثر استحقاقا لها من غيرهم.

براثن الخداع

غير أن الخبراء يحذرون من أن مواقع التواصل الاجتماعي قد أصبحت بمثابة العالم الافتراضي الذي وجد فيه المتسولون والأشخاص المتواكلون فرصتهم للحصول على أموال من الغير بأساليب ملتوية وغير شرعية، فيما يقع معظم من يستخدمون هذه المواقع في براثن الخداع والوهم، حين يصدقون كل ما يدعيه البعض من الأشخاص الكسالى الذين يسعون إلى كسب المال دون بذل أي جهد.

ويرى طارق بالحاج محمد الباحث في علم الاجتماع أن التسول الإلكتروني قد ظهر مع ظهور الإنترنت، ولكنه أصبح أكثر انتشارا بمجرد انتقال العالم من الهواتف المحمولة إلى عصر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأكد أن التغيّرات والتحديات التي شهدتها المجتمعات العصرية قد تركت آثارا كبيرة على منظومة القيم الاجتماعية ومكانة العمل لدى المواطن العربي كما ساهمت في نشر عقلية الربح السريع والسهل.

ويعتقد بالحاج محمد أن التسوّل الإلكتروني يندرج في إطار الجريمة المنظمة والمتطورة التي تقودها عصابات تخصصت في استغلال وسائل التكنولوجيا بطرق غير قانونية للتحيل ونهب أموال الغير وعمليات الفساد.

التصدي للظاهرة

سبل التعامل مع المتسولين في العالم الافتراضي ومعالجة هذه المشكلة مهم للغاية
سبل التعامل مع المتسولين في العالم الافتراضي ومعالجة هذه المشكلة مهم للغاية

لحسن الحظ لا تزال مقولة “الذراع الطولى للقانون” سائدة حتى الآن، وقد عملت معظم الحكومات العربية مجموعة من التشريعات والقوانين للتصدي لظاهرة التسول، وهي إجراءات تتمحور حول تشديد العقوبات على المتسولين، إلا أن سبل التعامل مع المتسولين في العالم الافتراضي ومعالجة هذه المشكلة مهمة صعبة للغاية.

ويرى المحامي مختار الجماعي أن التسول يمثل أحد تقاطعات الاستنكار الاجتماعي من جهة والتجريم القانوني من جهة أخرى. وقال الجماعي لـ”العرب”، “لقد جرمت مختلف التشريعات فعل التسول وأقرت عقوبة بالسجن لممارسيه؛ غير أن

المشرع التونسي قد اعتبرها من جرائم الاعتياد، أي تلك التي يتوجب تتبعها بعد التأكد من الممارسة المتواترة”. وأضاف “لا يختلف التسول في معناه الضيق المتمثل في الجلوس على أعتاب دور العبادة أو في الأسواق ومد الأيدي طلبا للمساعدات ونحوهما، عن التسول بمعناه المستجدّ الذي توظف فيه معارف علمية متطورة ومؤهلات ذهنية كبيرة مسايرة للتطور التقني”.

وتابع موضحا “التسول هو استدرار عطف الناس للحصول منهم على أموالهم ومتاعهم طوعا؛ لذا عدّ عطاء المعطي في التسول تبرعا؛ وعلى هذا الأساس تختلف ممارسة التسول عما يجاورها من مفاهيم كالمضاربة والمقامرة والبيع الوهمي ونحو ذلك؛ ولقد نظم المشرع التونسي طرق جمع التبرعات وإجراءاتها، غير أنه اهتم فقط بما يخص الجمعيات الموجهة إلى عموم الناس؛ مما يخرج عن الدعوة الموجهة من الخواص وكذلك الصادرة من غير الهيئات المصنفة جمعيات والخاضعة للمرسوم المنظم لها”.

وأردف الجماعي قائلا “مع ذلك فإن كل طريقة لطلب المال يمكن أن تأخذ شكل التسول ولو اعتمدت غلى وسائل الاتصال الحديثة، لأن مد اليد هنا هو مد افتراضي لا يختلف عن مدها في الواقع؛ أي طلب إرسال الحوالات أو تحويل الأموال أو الرسائل الهاتفية ونحو ذلك من أشكال (التسول الإلكتروني) يمكن أن تكون خاضعة للمساءلة الجزائية بسبب اعتياد التسول؛ وقد تكون العقوبة مشددة إذا رافق الطلب ممارسة تمثيليات واختلاق روايات وحالات مرضية لا أساس لها من الصحة، وهنا تصبح الجريمة من قبيل التحيل بغرض الاستيلاء على أموال الغير”.

ونوه الجماعي إلى ضرورة مراعاة التطور الحاصل على مستوى وسائل الاتصال؛ الذي ساهم بدوره في تغير أشكال الممارسة الاجتماعية لظاهرة التسول؛ مطالبا بضرورة تنظيم أشكال التبرعات التي تتم عبر الفضاءات الإلكترونية حتى لا يتم إجهاض أهداف إنسانية جدية ظاهرة من وراء جمع المال.

معظم الحكومات العربية سنت تشريعات وقوانين للتصدي لظاهرة التسول
معظم الحكومات العربية سنت تشريعات وقوانين للتصدي لظاهرة التسول

17