مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد منصات الحريات المفتوحة

تحولت الاتهامات الموجهة إلى شركات الإنترنت العملاقة إلى تهديد حقيقي يهز مصداقيتها، حيث لطالما ادعت أنها منصات مفتوحة لحرية التعبير، وتعهدت بمواجهة الضغوط الحكومية لحماية الخصوصية وحفظ بيانات مستخدميها، لكن هذه التعهدات ذهبت أدراج الرياح مع فشل مواقع التواصل الاجتماعي في السيطرة على الأخبار الكاذبة، والكشف عن حجم الدعاية الروسية على تويتر وفيسبوك.
الاثنين 2017/10/02
الاتهامات تحاصر فيسبوك

واشنطن- تفاخر شركات الإنترنت العملاقة بإمبراطورياتها الرقمية والعدد الهائل لمستخدميها حول العالم، لكن السحر انقلب على الساحر، وبدأت هذه الإمبراطوريات تخرج عن السيطرة وتواجه اتهامات من جهات متعددة بالتحول إلى منصة للتضليل الإعلامي والإساءة للديمقراطية حول العالم.

ومع كل اتهام جديد، تعلن وسائل التواصل الاجتماعي عن حزمة من الإجراءات والقرارات لمواجهة الأخبار الكاذبة ومكافحة المحتوى المسيء أو المتشدد والمتطرف، ومع ذلك بقيت النتائج ضئيلة وسيل الأنباء الكاذبة متواتر، وغالبا ما يجد المتطرفون والمسيئون منافذ جديدة عبر هذه المنصات للترويج لما يرغبون فيه.

وتوالت الضربات المسددة لشركة فيسبوك ومنافستها تويتر مع الإعلان أن جهات روسية مولت رسائل ترويجية عبر فيسبوك خلال الحملة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأميركية العام الماضي، ثم كشفت الأنباء الخميس عن وجود رسائل مماثلة على تويتر، رغم تأكيد المجموعتين المستمر حرصهما على حماية الديمقراطية.

ولطالما تباهت فيسبوك ومنافسوها في عالم التواصل الاجتماعي بصمودها في حماية بيانات المستخدمين مهما بلغت ضغوط الحكومات في أنحاء العالم، وإصرارها على عدم السماح مطلقا بكشفها لأي جهة كانت، إلا أن هذه الادعاءات تبخرت أيضا ورضخت فيسبوك وتويتر للضغوط الممارسة عليهما ووافقتا على التعاون مع الكونغرس والقضاء في التحقيق بشأن التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات التي فاز بها دونالد ترامب. وقد نفى الكرملين مرارا هذه الاتهامات.

ويرى متابعون أن من المرجح أن تخضع فيسبوك أيضا لشروط موسكو التي هددت بمنع الوصول إلى فيسبوك العام المقبل إذا لم يمتثل موقع التواصل الاجتماعي للقانون الذي يشترط على المواقع الإلكترونية التي تقوم بتخزين البيانات الشخصية لمواطنين روس، العمل من خلال خوادم شبكات روسية.

ووضعت تلك الحالة سابقة لشركات الإنترنت الأجنبية العاملة في روسيا وتتعرض الشركات الأخرى لضغوط من هيئة الرقابة كي تمتثل للقانون الذي صدق عليه الرئيس فلاديمير بوتين عام 2014 وأصبح ساريا في سبتمبر 2015.

ويبدو أن التدخل الروسي تحول إلى كابوس يقض مضجع شركات الإنترنت، حيث أشارت معلومات صحافية إلى أن شركة غوغل تجري تحقيقات للتأكد من إمكانية أن تكون خدماتها قد استخدمت من جانب جهات روسية للتدخل في الحملة الانتخابية الأميركية.

جميع الأنظمة الشمولية في العالم تقوم بحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي موجهة للتأثير على شعوبها

وقال أندرو وايزبورد من “الاينس فور سيكيورينغ ديموكراسي” (الاتحاد من أجل سلامة الديمقراطية) الذي أنشأه باحثون أوروبيون وأميركيون هذه السنة للتصدي لما يعتبرونه محاولات موسكو تقويض الديمقراطية في العالم “الخدمتان قابلتان للانتهاك والتلاعب من شتى الجهات المثيرة للمشاكل خصوصا من أجهزة الاستخبارات المعادية”.

وأشار وايزبورد إلى أن “ما رأيناه من جانب الكرملين خلال السنوات الأخيرة مرآة مباشرة لما يفعله بالشعب الروسي بهدف إبقاء الرئيس فلاديمير بوتين وأعوانه في السلطة”. ومن جهته، يرى الباحث تيم تشامبرز في تزايد الأنظمة الآلية الرامية إلى نشر بعض المواضيع المحددة (ما يعرف بالـ”بوت”) كما حصل في العام 2016 مؤشرا خطيرا.

ويوضح تشامبرز في مقال نشره معهد “نيو بوليسي انستيتيوت” المعروف بمواقفه اليسارية “هم يزوّرون التواقيع على العرائض ويمارسون الخداع في استطلاعات الرأي ومحركات البحث”. ويضيف “يحدثون انطباعا بوجود دعم حقيقي وإيجابي ودائم لمرشح أو لقضية أو لسياسة أو لفكرة. وبذلك يمثلون خطرا سياسيا واجتماعيا حقيقيا على بلدنا”.

وأكدت دراسة نشرت نتائجها جامعة “أكسفورد” في يونيو، أن وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، المعدة أساسا لتكون منصات لحرية التعبير “تحولت أدوات للمراقبة الاجتماعية” في بلدان عدة.

وتستعين حكومات بخدمات أعداد كبيرة من الموظفين بهدف “استحداث مضامين والتأثير بالرأي العام والتفاعل مع العامة في بلدانهم أو في المهجر” بحسب هذه الدراسة التي تناولت 28 بلدا وخلصت إلى أن “كل الأنظمة الشمولية تقوم بحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي موجهة إلى شعوبها”.

وتوضح عالمة الاجتماع في جامعة كارولاينا الشمالية (شرق الولايات المتحدة) زينب توفقجي المتخصصة في دراسة الحركات المطلبية ووسائل التواصل الاجتماعي، أن هذه المنصات التي ساهمت في انطلاق ما عرف بالربيع العربي تحولت أداة لقمع المعارضين.

وأشارت في كتابها بعنوان “تويتر والغاز المسيل للدموع: كيف غيّر تويتر ووسائل التواصل الاجتماعي الحركات الاحتجاجية إلى الأبد”، إلى أن “الأمر ليس بالضرورة شبيها برواية ‘1984’ لـجورج أوريل”.

وتقول “بدل الاعتماد على نظام شمولي تام يقوم على الخوف وحجب المعلومات، تعمد الوسائل الجديدة خصوصا إلى شيطنة وسائل الإعلام الإلكترونية وحشد جيوش من الأنصار أو الموظفين المدفوعي الأجر لإغراق وسائل الإعلام الإلكترونية بالمعلومات المضللة مع فائض من الأخبار والشك والريبة والتحرش وتحوير الحقائق”.

لكن أندرو وايزبورد يشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي “معفاة بدرجة كبيرة من أي مسؤولية” من الناحية القانونية، إلا أنه “أمام محكمة الرأي العام المسألة مختلفة. ويمكن للسلطات الأميركية أن تسن قوانين يوما ما في حال لم تقارب وسائل التواصل الاجتماعي المشكلة بطريقة ملائمة” وفق الباحث.

وتؤكد اميلي باركر وهي مؤلفة كتاب في هذا الموضوع ضرورة عدم المغالاة في مدح إيجابيات شبكات التواصل الاجتماعي أو في مهاجمتها. وتقول “لطالما كانت وسائل التواصل الاجتماعي سيفا بحدين”، مشيرة إلى أن بعض الأنظمة الشمولية تفرض رقابة على الإنترنت في دليل على خشيتها من تحولها مصدر تهديد لها.

18