مواقع التواصل الاجتماعي مصممة لتكون كوكايين صناعيا

الدراسات تشير إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب والوحدة، وسلسلة من المشاكل الأخرى.
السبت 2018/07/07
إلهاء وتخدير عاطفي

لندن - أكثر الأشياء الفاتنة في وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة للمستخدمين “الإعجاب”، الذي يتفاعل معه الجمهور في شكل علامة إصبع الإبهام المتجهة لأعلى، أو أحد الأشكال الأخرى، القلوب أو إعادة التغريد، لكن الأمر يتجاوز الافتتان ليصبح تعلقا مرضيا.

وتقول ليا بيرلمان المشاركة في ابتكار زر الإعجاب في فيسبوك، في تصريحات لـبي بي سي، إنها أصبحت متعلقة بفيسبوك، لأنها بدأت تبني إحساسها بتقديرها لذاتها استنادا إلى عدد مرات “الإعجاب” التي تحصل عليها.

 

تنكر شركات الإنترنت العملاقة وفي مقدمتها فيسبوك تعمدها ابتكار خاصيات تستقطب المستخدمين وتجعلهم مدمنين على منصاتها، لكن موظفين سابقين يؤكدون أن الكثير من المصممين اضطروا لابتكار خواص في تطبيقات يدمنها المستخدمون، انصياعا لأسلوب عمل الشركات الكبرى التي يعملون فيها.

وأضافت “حينما أحتاج إلى التحقق من صحة نشاطي أذهب إلى فيسبوك… أنا أشعر بالوحدة، فلأفحص هاتفي. أشعر بعدم الأمان، فلأفحص هاتفي”.

وأشارت إلى أنها حاولت التوقف عن استخدام فيسبوك، بعد مغادرتها الشركة، مستدركة “لاحظت أنني سأنشر شيئا ما اعتدت على أن أنشره، وأن الإعجاب سيكون أقل من المعتاد”.

وتابعت بيرلمان “فجأة، اعتقدت أنني مدمنة بشكل ما للاطلاع على ردود الفعل”.

ورصد برنامج بي بي سي بانوراما آراء وردود أفعال مستخدمين ومصادر في وادي السيليكون أكدت جميعها أن شركات التواصل الاجتماعي تعمل عمدا على أن يدمن المستخدمون تطبيقاتها، من أجل تحقيق مكاسب مالية.

ونقل عن أزا راسكين، موظف سابق بشركة موزيلا “يبدو الأمر كما لو أنهم يمسكون بكوكايين سلوكي، وينثرونه على واجهة التطبيق، وهذا هو الشيء الذي يجعلك تحب أن تعود إليهم مرات ومرات”.

ويضيف “خلف كل شاشة على هاتفك يوجد حرفيا الآلاف من المهندسين الذين يعملون على هذا الشيء، من أجل جعلك تدمنه بأقصى قدر ممكن”.

وفي عام 2016 صمم راسكين، وهو مهندس تقني بارز، خاصية تمكن المستخدم من التدرج بالصفحة لأسفل إلى ما لا نهاية، وهي خاصية في العديد من التطبيقات، ينظر إليها حاليا باعتبارها تشكل العادات إلى حد كبير. وتسمح تلك الخاصية للمستخدم بالنزول بالصفحة إلى أسفل، دون الضغط على أي زر.

وكان راسكين يعمل في ذلك الحين في شركة استشارات في مجال واجهة المستخدم الحاسوبية. ويقول إن هذا الابتكار جعل المستخدمين ينظرون في هواتفهم لوقت أطول من اللازم.

ويضيف أنه لم يخطط لأن يدمن المستخدمون ذلك، وأنه يشعر الآن بالذنب. وأشار إلى أن الكثير من المصممين اضطروا لابتكار خواص في تطبيقات يدمنها المستخدمون، انصياعا لأسلوب عمل الشركات الكبرى التي يعملون فيها.

وتشير تقارير حديثة إلى أن فيسبوك يعمل على تطوير خصائص تسمح للمستخدمين برؤية الوقت الذي أمضوه على التطبيق خلال الأيام السبعة السابقة، وتسمح لهم أيضا بأن يحددوا سقفا للوقت الذي يمضونه على مدار اليوم.

ويقول ساندي باراكيلاس الموظف السابق في فيسبوك “تطبيقات التواصل الاجتماعي تشبه كثيرا آلة القمار”.

ساندي باراكيلاس: أنت أمام أسلوب عمل مصمم لكي تنخرط فيه ويجذبك لأطول وقت ممكن، ثم يبيع اهتمامك
ساندي باراكيلاس: أنت أمام أسلوب عمل مصمم لكي تنخرط فيه ويجذبك لأطول وقت ممكن، ثم يبيع اهتمامك

وحاول باراكيلاس التوقف عن استخدام تطبيق فيسبوك، بعد مغادرته الشركة عام 2012، ويقول “لقد شعرت وكأني أحاول التوقف عن تدخين السجائر، هناك إدراك تام لحقيقة أن المنتج يشكل العادات ويسبب الإدمان”.

ويضيف “أنت أمام أسلوب عمل مصمم لكي تنخرط فيه، ويجذبك لأطول وقت ممكن من حياتك، ثم يبيع اهتمامك هذا للمعلنين”.

لكن التصريح الرسمي لشركة فيسبوك لم يخرج عن المعتاد، إذ استمرت بالقول إن منتجاتها مصممة “لكي تقرب الناس من أصدقائهم وعائلاتهم والأشياء التي يهتمون بها”. وهي العبارة التي يداوم مارك زوكيربرغ الرئيس التنفيذي للشركة على استعمالها في كل المناسبات للدفاع عن أهداف المنصة الأكثر شعبية وهيمنة في العالم.

وأضافت “إنها لا ترغب في أي مرحلة من المراحل أن يكون شيء ما عنصرا للإدمان في العملية”. وتجاهلت الشركة تصريحات شون باركر، أول رئيس لشركة فيسبوك العام الماضي، حيث قال علنا إن الشركة تتعمد استهلاك أطول وقت ممكن من وقت المستخدم.

وأضاف إنها “تستغل نقاط الضعف في النفس البشرية”، مؤكدا “المبتكرون يفهمون ذلك عن وعي، ونحن فعلناه على أي حال”.

وتشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب والوحدة، وسلسلة من المشاكل الأخرى. ففي بريطانيا، يمضي المراهقون ما متوسطه 18 ساعة أسبوعيا في تفحص هواتفهم، أغلب هذا الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ونال مركز علاج الإدمان الخاص “غلادستونس” في بريطانيا  شعبية، بعد توافد شباب وفتيات عليه ليتلقوا علاجا يخلصهم من إدمان مواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية إن المدمنين في المركز يخضعون إلى برنامج علاجي مدته 4 أسابيع، قد يصلح حياتهم التي دمرتها تطبيقات ومواقع على شبكة الإنترنت يستخدمها الملايين يوميا للتواصل مع الأصدقاء ومتابعة الأحداث التفاعلية.

وذكرت الصحيفة أن معدلات إقبال المتقدمين على العلاج بمركز “غلادستونس” ارتفعت بنسبة 100 بالمئة خلال السنوات الثلاث الماضية. ويتعلم المدمنون خلال جلسات العلاج كيفية التحكم في استخدام مواقع الإنترنت من خلال وسائل عملية، مثل تحديد أسباب الاستخدام والمواظبة على قراءة الجرائد والتخطيط لأنشطة على مدار اليوم.

ويجبر المركز المدمنين على التخلي عن هواتفهم المحمولة على الرغم من مقاومة بعض المرضى مثل جون، يبلغ من العمر 22 عاما، الذي ضرب والده عندما حاول حرمانه من الهاتف.

وكشف جون أنه بسبب تصفحه مواقع التواصل الاجتماعي، أنفق 50 ألف جنيه إسترليني على مشتريات يعرضها أصدقاؤه على فيسبوك.

وأوضحت هنريتا بودن جونز مديرة عيادة إدمان الإنترنت في مستشفى “نايتينغال” في لندن “الفرق مع المدمنين هو استخدام الإنترنت بشكل يؤثر على حياتهم اليومية بشكل ضار”.

وأضافت أن مدمني الإنترنت يستخدمون المواقع الإلكترونية؛ للإلهاء وتخدير ألمهم العاطفي.

وترى ليا بيرلمان أن الشباب الذين يدركون أن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب لهم مشاكل، يجب أن يفكروا في تجنب مثل هذه التطبيقات. لكنها قالت إنها لم تتعمد أن يكون زر الإعجاب سببا لإدمان المستخدمين. كما تعتقد أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي له فوائد عديدة، بالنسبة للكثير من الناس. ومن جهته علق أيمي أرشيبونغ المسؤول القيادي بشركة فيسبوك، على هذه التصريحات بالقول إن الشركة لا تزال تتفحص الأمر.

وأضاف “نحن نعمل مع أشخاص من طرف ثالث يدرسون سلوكيات تشكيل العادات، وما إذا كانت موجودة على منصتنا أو الإنترنت على وجه العموم، ونسعى إلى فهم ما إذا كانت هناك عوامل قد تسبب ضررا للناس”.

18