مواقع التواصل تعري تغطية الإعلام المصري لاستفتاء تعديل الدستور

إغفال الإعلام التقليدي للدور المتصاعد الذي تلعبه منصات التواصل في التأثير على قرارات الشارع، حول الاستفتاء على تعديل الدستور، وكشف الحقائق وتفنيدها، سيفاقم أزمته.
الجمعة 2019/04/26
المضمون واحد في الإعلام المصري

انغلقت غالبية وسائل الإعلام المصري على نفسها، وقدمت تغطية لاستفتاء التعديل على الدستور من جانب واحد، لم ترض حتى الصحافيين العاملين لديها، متجاهلة تأثير المنصات الاجتماعية ودورها في نقل الخبر الذي تحاول إخفاءه.

القاهرة- فشل الإعلام المصري في إقناع المتلقي بتغطيته للاستفتاء على تعديل الدستور المصري، فبدت السلبيات وعدم الموضوعية واضحين للعيان، وطغت الرغبة السياسية في حشد المواطنين على التعامل بمهنية وشفافية، ما منح الفرصة لمواقع التواصل الاجتماعي بأن تكون مرجعية للجمهور.

وبدت أكثر الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الفضائية كأنها تدور في فلك واحد: صور متعددة لزاوية واحدة، ركزت على كثافة الحضور الجماهيري لكبار السن والسيدات والمرضى والشباب، وغياب التجاوزات والسلبيات.

وتعود ملكية أغلب وسائل الإعلام في مصر للدولة أو تشارك جهات رسمية في ملكيتها، ما جعلها تفتقد للاستقلالية ومنح منصات التواصل الاجتماعي الفرصة بأن تقوم بدور الرقيب، والمواطن الصحافي مصدرا للخبر. ويرى متابعون أن إغفال الإعلام التقليدي للدور المتصاعد الذي تلعبه منصات التواصل في التأثير على قرارات الشارع وكشف الحقائق وتفنيدها، سيفاقم أزمته.

ويقول هؤلاء إن غياب استقلالية الإعلام وتحريك مساره وتوجهاته من قبل الحكومة، في مقابل التحرر والنشر دون قيود على صفحات التواصل الاجتماعي، أفقد الصحف والقنوات دورهما، وجعلهما تخسران ما تبقى من شعبية وتأثير في الشارع، لاسيما عندما أصرتا على نفي حقائق ملموسة لعموم الناس.وأكد مجدي بيومي، أستاذ الصحافة والإعلام بالمعهد العالي للإعلام بالقاهرة، أن الأزمة مع منصات التواصل هي أن الحكومة تعتبرها حزبا للمخربين يجب مجابهته عبر الإعلام الرسمي، لأنه تحول إلى حاضنة للمعارضة، دون أن تدرك أن تضييق الخناق يزيد نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي كمرجعية معرفية تسع كل الآراء والتوجهات.

وأضاف لـ”العرب” أن القنوات المعادية للنظام تستثمر تراجع ثقة الشارع في الإعلام المحلي، وتقدم نفسها كبديل مناسب ينقل الصورة دون تزييف، كما أن جزءا كبيرا من المنصات الإلكترونية المؤثرة له أهداف مشبوهة، وبالتالي فإن التوازن في مساندة الحكومة مع إتاحة مساحة معقولة لآراء مناهضة للسلطة يظل السبيل الوحيد لاستعادة الثقة.

وشهدت بعض لجان الاستفتاء توزيع صناديق، تحتوي على سلع غذائية، مجانية على المواطنين عقب الانتهاء من التصويت، لحث المقاطعين على النزول والمشاركة، وسارعت وسائل الإعلام المحلية بتكذيب تلك الوقائع، ونسبت المعلومة إلى “مصادر خاصة بها”، وتم بث الخبر في الصحف والمواقع والقنوات الرسمية بصيغة واحدة.

وقال أحمد (ع)، وهو اسم مستعار لصحافي يعمل في موقع صحيفة حكومية لـ”العرب”، إن مجلس التحرير في الموقع “منع نشر كل الأخبار التي تتحدث عن تراجع إقبال الناخبين حتى لو كان ذلك مدعوما بالصور والفيديوهات، وجاءت التعليمات بضرورة التركيز فقط على التكدس الجماهيري، كما تم منع بعض المحررين أصحاب التوجهات السياسية الرافضة للتعديلات، من المشاركة في التغطية الميدانية”.

وأكد ماهر سعيد، وهو أيضا اسم مستعار لرئيس قسم الأخبار في صحيفة خاصة شهيرة، في تصريحات لـ”العرب”، أن الأخبار المرتبطة بتصويت المصريين على الاستفتاء خارج البلاد (في السفارات)، جاءت لوسائل الإعلام من جهات حكومية عبر “واتساب”، والتزم الجميع بنشرها دون تغيير أو تحريف، كما أن الكثير من الأخبار المرتبطة بالتغطية المحلية للاستفتاء، كانت تصل للصحف والقنوات بالطريقة ذاتها.

وأوضح بعض الخبراء أن جزءا كبيرا من التغطية الصحافية والتلفزيونية للاستفتاء بدا كأنه جاء بالأمر المباشر لإظهار الاصطفاف الإعلامي خلف الحدث الانتخابي، ما تسبب في أن تتحول الكثير من المنصات الإعلامية إلى هيئات تابعة للحكومة، حيث اعتمدت تغطياتها على الأسلوب العاطفي وكون المشاركة واجبا من خلال إذاعة الأغاني.

وتحول معارضو التعديلات الدستورية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مراسلين صحافيين ينقلون المعلومات والوقائع بالوثائق عبر صفحاتهم الشخصية، كنوع من كشف غياب المهنية للإعلام التقليدي. ونشأت صفحات يشترك فيها عشرات الآلاف من متصفحي منصات التواصل وأظهرت التحدي الواضح للصحف والقنوات وتحولت إلى مرجعية مهمة لمتابعة عملية الاستفتاء.

صحافيون اتجهوا إلى صفحاتهم على مواقع التواصل لكتابة مشاهدات رصدوها ولم يستطيعوا نشرها في صحفهم

وبدا الفارق بين مراسلي الإعلام التقليدي ومراسلي مواقع التواصل، في أن الفئة الأولى نقلت الصورة للقارئ والمشاهد من وجهة نظرها التي تتفق مع الخط التحريري للوسيلة الإعلامية التي تعمل فيها، دون خروج عن النص أو التطرق لأي سلبيات، وظهرت تقارير المراسلين وكأنها نسخة مكررة من بعضها، وركزت على كثافة الحضور وتأمين لجان الاستفتاء، دون تحليل أو الاستعانة بباحثين سياسيين من مختلف التوجهات.

وفي المقابل ركز مراسلو منصات التواصل على ما هو أعمق دون قيود، حيث جرى نشر صور للجان فارغة من طوابير الناخبين، وأخرى تشهد زحاما خارج اللجان وبلا ناخبين من الداخل كنوع من بطء إجراءات التصويت كي تظهر عملية الاستفتاء أنها تشهد حضورا مكثفا.

وما عزز الميل نحو تغطية مواقع التواصل على الإعلام الرسمي، أن بعضا من الصحافيين اتجهوا إلى صفحاتهم الشخصية، لكتابة مشاهدات رصدوها ولم يستطيعوا نشرها في صحفهم. ولم تكن التغطية الإلكترونية للاستفتاء قاصرة على هواة ونشطاء وشخصيات اعتبارية، بل شارك فيها صحافيون رفضوا المشاركة في تغطية إعلامية بطريقة مؤيدة على طول الخط.

ويرى مراقبون أن الهيئات الصحافية والإعلامية تتحمل مسؤولية غياب المهنية في التغطية، لأنها حثت وسائل الإعلام قبيل الاستفتاء على ضرورة دفع الناخبين للنزول إلى اللجان، واعتبر البعض الخطوة لحفظ الاستقرار ومواجهة الخصوم السياسيين. ولم تمارس الصحف والقنوات أي دور رقابي على عملية الاستفتاء، واقتصرت المادة التي يجري نشرها وبثها للجمهور نهارا على إظهار الحشد.

18