مواقع التواصل تعيد تشكيل الأبناء عبر محو قيمهم الاجتماعية

الأسرة المعاصرة تحتاج إلى سياسات اجتماعية جديدة تواكب متطلّبات العولمة في عصرها الجديد.
الأربعاء 2021/08/04
نوع جديد من الإدمان

القاهرة - يؤكد خبراء علم الاجتماع أنّ شبكات التواصل الاجتماعي بتَقنيّاتها المتعدّدة أدّت إلى تقليص الحوار داخل الأسرة، وإلى تغيير في ثقافتها، وفي شكل السلطة، وتوزيع الأدوار داخلها.

وأشار الخبراء إلى أن شبكة الإنترنت نجحت في تشكيل فضائها المعلوماتي وفي تأسيس جماعة افتراضيّة، احتلّت بتفاعلاتها، ومميّزاتها، وخدماتها المتعدّدة جزءًا من الحياة اليوميّة للعديد من البشر، فأصبح المجتمع الافتراضي يُزاحم المجتمع الواقعيّ.

وقال مصطفى حجازي في كتابة “علم النفس والعولمة” إنّ “الأسرة تجهد اليوم للحفاظ على أبنائها ، وارتباطهم بها، واستمرار رعايتها لهم من جانب، وتجهد من جانب آخر لأن توطّن ذاتها للقبول بانطلاقهم في عالم العولمة الرحب، وأخذ نصيبهم من فرصه، ما يفرض على الأهل إنجاز فطامهم النّفسي عن أبنائهم”.

وأشار الخبراء إلى أنّ الأسرة المعاصرة تقف اليوم في مهبّ الريح، وهي تتعرض لضغوط عديدة تحتاج إلى سياسات اجتماعية جديدة تواكب متطلّبات العولمة في عصرها الجديد.

ويُعرّف الخبراء شبكات التواصل على أنّها مجموعة من المواقع على شبكة الإنترنت العالمية تُتيح التواصل بين الأفراد في بيئة مجتمع افتراضي يجمعهم الاهتمام، أو الانتماء لبلد، أو مدرسة، أو فئة معينة في ظل نظام عالمي لنقل المعلومات.

وكما تتيح هذه المواقع لمستخدميها الاتصال بأصدقائهم، وزملائهم في العمل، وتسهّل التّواصل مع من يعيشون حولهم، وهذا من خلال الانضمام إلى مجموعات العمل والدراسة والحياة العامّة، ومن خلال إضافة معارفهم السابقين، فيتمّ إنعاش العلاقات الاجتماعية الواقعية. فهي أيضا تشتت العلاقات بينهم وتمحو القيم الاجتماعية الخاصّة بأسرهم وتغير أنماط تفاعلهم الاجتماعي.

ويذهب المتخصّصون في علم الاجتماع إلى أنّ هناك تغييرات عملت على تفتيت العلاقات الاجتماعيّة بين الأفراد، وحوّلت ما كانت تتمتّع به من دفء وحميميّة إلى برود وفتور. وغيّرت أنماط تفاعلهم الاجتماعيّ، وفتحت أمامهم مسارب سلوكيّة أضرّت بقيمهم وأخلاقهم، فضلًا عمّا أوجدته بينهم من مشكلات كتبلّد حسّهم الاجتماعي والوجداني، واغترابهم النّفسي، وعزلتهم الاجتماعية، فضلًا عن العوالم الافتراضية المتخيلة التي أوجدتها لهم ليعيشوا فيها كعوالم بديلة عن عوالمهم الحقيقيّة.كما ساهمت في انتشار نوع جديد من الإدمان بين مستخدمي هذه الوسائط الاتصاليّة غير مألوف الخصائص، لدى المهتمّين بالمشكلات الاجتماعيّة، سمي بـ”إدمان الإنترنت”.

شبكات التواصل الاجتماعي بتَقنيّاتها المتعدّدة أدّت إلى تقليص الحوار داخل الأسرة، وإلى تغيير في ثقافتها

وقال الخبراء إن الأبناء ينشأون في ضوء قيم اجتماعية خاصّة تكون بيئة الجماعة الأوّليّة، لكن في ضوء ما يتعرّضون له من خلال المواقع الإلكترونيّة، ومواقع التواصل الاجتماعي من تأثيرات ضاغطة بهدف إعادة تشكيلهم تبعًا لما يُعرف في مصطلح علم النفس بتأثير الجماعة المرجعيّة، الأمر الذي يؤدّي إلى محو آثار الجماعات الأوّليّة عليهم، ويُفقدهم الترابط مع مجتمعهم المحيط بهم ويعرّضهم للعزلة والانطواء، ومن ثَمَّ التوتّر والقلق والاضطراب.

ويتأثّر دور الأسرة كمؤسّسة اجتماعيّة أولى في المجتمع مسؤولة عن غرس القيم والأفكار في عقول الأبناء والمؤثّر الأوّل على أفكارهم وتوجّهاتهم، بالشكل الذي يتناسب مع ثقافة المجتمع وتقدّمه وتطوّره من خلال التوضيح والنُصح للأبناء، والتصحيح لبعض الأفكار السلبيّة وتحويلها إلى خُبرات إيجابيّة ونافعة للفرد.

وقال الخبراء إننا نستخدم شبكات التّواصل الاجتماعي في التعرّف على شخصيّة مستخدميها، والتعريف بأدقّ تفاصيل هذه الشخصيّة من خلال المنشورات التي نُشَاركها مع غيرنا، ولكن هذه الهُويّة التي نُشَاركها تعكُس هُويّة المرء المثاليّة، ونتوقع من الآخرين أن يفعلوا الشيء نفسه ما يؤدّي إلى خلق صداقة بين مستخدمي هذه الشبكات، فتجعل المُستخدم ذاتَه يتصوّر أنّ لديه الكثير من الجمهور.

ويُلاحَظ أنّ مُستخدمي مواقع التّواصل الاجتماعي الذين يستخدمون هذه الاستراتيجية يشعرون بلذّة النجاح إذا كانت لديهم القدرة على جذب الآخرين.

ويرى كثيرون أنّ الشًهرة التي يسعى إليها أغلب مستخدمي شبكات التّواصل هي غير حقيقية وتسعى إلى ترويج الذات؛ إذ إنّ الرغبة الحقيقية في أن تكون هذه الشخصيّة أصليّة تتناقض مع الحاجة إلى التحدّث إلى جماهير معيّنة بما في ذلك جماهير مجهولة الهُويّة.

ويؤكد الخبراء أن ذلك يشير إلى مشكلة يجب التنبّه لها، وهي أن تكون الشخصيّة التي يُطلّ بها الفرد على شبكات التّواصل متناقضة إلى حدٍّ بعيد عن شخصيّته، وما يعيشه في الواقع كالمشكلات الأسريّة ،يشكّل خطرًا على شخصيّة هذا الطفل خصوصًا إذا غرّد طويلًا في العالم الافتراضيّ وفقد الاتّصال بالعالم الواقعيّ.

21