مواقع التواصل توجه منظومة العدالة في مصر

شبكات التواصل في مصر تحولت إلى شريك فاعل في ضبط إيقاع العدالة حيث أصبح النشطاء يطالبون ببراءة اليوتيوبير وزوجته بعد أن كانوا يدعون إلى محاسبتهما.
السبت 2020/09/19
الشهرة سيف ذو حدين 

أظهرت الحملات الأخيرة التي نظمها رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، ضد الخروج عن العادات وممارسة أعمال منافية للأعراف الأسرية والتجاوز في حق الآخرين حجم التأثير الفعّال، وأصبحت تشارك في توجيه المؤسسة القضائية، وتحثها على التحرك نحو مساءلة المخطئين وإنصاف المظلومين.

القاهرة- لم يتوقع اليوتيوبر المصري الشهير أحمد حسن وزوجته زينب، أن تصويرهما ونشرهما مقطع فيديو مع ابنتهما ينتهي بدخول الطفلة في بكاء شديد، أن متصفحي منصات التواصل سوف يكونون سببا في اقتيادهما إلى السجن، بتبني حملة قوية ضد تصرفهما، لدفع النيابة العامة للتحرك ومحاسبتهما على ما اقترفاه بحق الطفلة.

ويصل عدد المتابعين لقناة حسن وزوجته، على موقع يوتيوب نحو 6 ملايين شخص، واعتادا توثيق حياتهما العائلية بطريقة غير تقليدية وطرحها على المتابعين في مقاطع مصورة.

وبلغ إجمالي عدد مشاهدات القناة منذ تأسيسها قبل نحو ثلاث سنوات، أكثر من مليار و200 مليون مشاهدة، وحققا من وراء ذلك مكاسب مالية كبيرة.

خلال ساعات قليلة من هجوم مستخدمي الشبكة الاجتماعية على الزوجين، تحرك النائب العام ووجه بالقبض على الأب والأم، وأصدر قرارا بحبسهما أربعة أيام على ذمة التحقيقات، بتهمة استغلال ابنتهما اقتصاديا وتعريضها للخطر والحصول على مكاسب مالية من وراء الشهرة، وتسليم الطفلة إلى جدتها لوالدها لمنع استغلالها وتعريضها للإساءة.

وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي في مصر، شريكا فاعلا في ضبط إيقاع العدالة، وتحول النشطاء فجأة من محرضين على محاسبة اليوتيوبر وزوجته إلى محامين يطالبون بالبراءة وإصدار قرار بإخلاء سبيلهما، بذريعة أنه لا يمكن حبسهما، حفاظا على حياة الطفلة.

قد تستجيب النيابة العامة إلى مطالب الإفراج الشرطي عن الأبوين حفاظا على مستقبل ابنتهما، بحكم أن هناك وقائع سابقة رأى فيها النائب العام حُسن نوايا هذه النوعية من الحملات الإلكترونية، وأهدافها لا تخرج عن كونها اجتماعية بحتة، بالتالي يكون التجاوب معها والاستجابة لها بدافع إنساني.

وقررت النيابة الخميس، استبدال حبس فتاة “تيك توك” منة عبدالعزيز، بإيداعها إحدى دور الرعاية النفسية والاجتماعية، لأن ذلك أكثر ملاءمة لحالتها من الحبس الاحتياطي، وهو الطلب الذي تبناه أغلب نشطاء مواقع التواصل، بدعوى أنها ضحية للانقسام الأسري والخلافات الاجتماعية والفقر، وكلها أسباب دفعتها للانحراف وارتكاب أفعال مخلة.

كانت الفتاة نشرت فيديو استغاثت فيه من تعرضها للاغتصاب من بعض الشباب، وتبين أنها كانت مرتبطة عاطفيا بأحدهم، وأقامت علاقة جنسية معه، لكن أصدقاءه تناوبوا على اغتصابها، وقالت للنيابة إن طلاق والديها وعدم استطاعتها توفير حياة كريمة لنفسها دفعها للانحراف، ما جعل متصفحين يتعاطفون معها.

يرى مراقبون للعلاقة بين النيابة العامة باعتبارها محامي الشعب، وشبكات التواصل، أنها قائمة على التشارك لضبط منظومة العدالة، واستجابة المؤسسة القضائية لما يطرحه نشطاء المنصات من رؤى ومطالب يصعب تصنيف الاستجابة لها على أنها رضوخ للأمر الواقع، كما تفعل جهات حكومية، طالما أن أهداف الطرفين متطابقة.

أكثر ما يميز علاقة النيابة المصرية برواد مواقع التواصل، أنها تتابع تعليقاتهم عن كثب، سواء كانت إيجابية أو سلبية، لتحدد مدى رضا الشارع عن قراراتها تجاه الخارجين عن النص والمخالفين للقانون، وقد يصل الأمر حد إصدارها بيانا صحافيا للرد على التعليقات التي يكتبها متابعوها على صفحتها الرسمية بمواقع فيسبوك.

وبلغ التناغم بين الطرفين حول حتمية إقرار منظومة عدالة ترضي المجتمع أن النائب العام، أصبحت لديه إدارة خاصة مهمتها مخاطبة مستخدمي منصات التواصل والتفاعل معهم وتعريفهم بأحداث البيانات والقرارات والمعلومات حول القضايا التي يتم تسليط الضوء عليها من جانب نشطاء الشبكات الاجتماعية.

وتتعامل النيابة مع الوقائع التي يتم نشرها من جانب متصفحي منصات التواصل على حساباتهم الشخصية وتحظى بتفاعل واسع، باعتبارها بلاغا رسميا، وبناء عليه تتحرك جهات التحقيق للتحري وجمع المعلومات وتكليف أجهزة الأمن بالبحث وراء خلفيات الموضوع والقبض على المتهمين، في حال تم التأكد من صحة الواقعة محل النقاش.

يمثل هذا الوجه تغيرا جذريا في نظرة المؤسسة القضائية لمواقع التواصل في مصر، فهي التي كانت تحظر على المنتسبين إليها التعامل معها بالنشر أو التعليق أو إبداء الرأي في التعليقات، لكن أمام صعود نجم الشبكات الاجتماعية على حساب الإعلام التقليدي وتراجع شعبيته، انتهت القطيعة وحل مكانها التناغم.

قال مسعد صالح أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن نجاح المواقع الاجتماعية في صناعة قضايا رأي عام وتبني قضايا المظلومين وقليلي الحيلة، جعلها وسيلة إعلامية مفضلة للجهات المنوط بها إقرار العدالة والقضاء على الظلم، وصنع هذا التناغم حالة من التوافق بين الطرفين، بدليل ارتفاع منسوب الرضا بين نشطاء الشبكة الاجتماعية عن قرارات النيابة خلال الآونة الأخيرة.

أضاف لـ”العرب” أن صعود نجم منصات التواصل ارتبط بنجاحها في استصدار قرارات رسمية بمحاسبة مخطئين ومتجاوزين، ما يضيف أعباء ثقيلة على الإعلام التقليدي الذي ابتعد كثيرا عن الشارع. ولفت إلى أن فتح بعض الجهات تحقيقات في قضايا بعينها لا يعني أنها تستجيب للضغوط، بقدر ما يرتبط الأمر بأن هذه المؤسسات تستهدف إقرار العدالة.

يصعب فصل العلاقة القوية بين نشطاء المنصات الاجتماعية والقضاء، عن رفض الأخير أكثر من دعوى تطالب بإغلاق موقعي التواصل فيسبوك وتويتر، بذريعة استخدامهما في التحريض على أعمال العنف ونشر الشائعات وإثارة البلبلة وطرح قضايا مثيرة للجدل، وكانت كلمة القضاء حاسمة بأن التقييد على هذه المواقع انتهاك لكل الحقوق والحريات.

مواقع التواصل

تكتسب منصات التواصل قوة مضاعفة بالتعليق على أحكام القضاء وقرارات النيابة العامة، في حين أن ذلك محظور على الإعلام التقليدي، وهناك قضايا جرى إعادة فتحها بعد وجود تلميحات بقرب غلقها، وآخرها واقعة قيام قاضية بهيئة النيابة الإدارية بالتعدي على ضابط شرطة وإهانته، وقررت النيابة إخلاء سبيلها لظروف نفسية.

وتناولت الصحف والقنوات قرار الإفراج عن القاضية دون عقوبة بالاكتفاء بتلاوة البيان الرسمي، لكن الأمر كان مختلفا على منصات التواصل، حيث شن نشطاء الشبكات الاجتماعية حملة واسعة للمطالبة بمحاسبة السيدة لأنها أهانت سلطة الدولة بالاعتداء على الضابط، وجاءت الاستجابة سريعة بفصلها وإحالتها للتقاعد.

تقود الواقعة إلى أن إقرار منظومة عدالة يتم تطبيقها على الجميع دون استثناء، لن يتحقق من خلال مؤسسة القضاء دون ظهير إعلامي قوي يدعم قراراتها ويضمن عدم التدخل من أصحاب النفوذ في عملها، ولأن المنابر الإعلامية التقليدية محكومة بسياسة تحريرية محظور فيها النقد، فإن منصات التواصل صارت حامية لإقرار عدالة ناجزة.

لم يتحرك متصفحو منصات التواصل لدعم الضابط ضد نفوذ القاضية، إلا بعد شعورهم بوجود ضغوط من جهات أخرى لإنهاء الأمر دون حساب، والتزمت النيابة الصمت أمام دعمهم لها، وكان يمكن إصدار بيان صحافي لمطالبة نشطاء الشبكة الاجتماعية باحترام قرار الإفراج عنها، أيّ أن التمرد الإلكتروني أحيانا ضد النيابة يصب في صالح العدالة.

19