مواقع التواصل فرصة الإخوان التي تحولت إلى عقاب

الإخوان المسلمون هم اليوم أمام خيارين: أن يقبلوا شروط اللعبة الجديدة، ويعطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ. أو أن يتبنوا “العمل الثوري لتغيير الأنظمة” عملا بقرار قادتهم.
الاثنين 2019/09/23
جيل مرشح ليكون بديلا للمعارضة التقليدية

مشروع الإخوان المسلمين أوشك على الانتهاء، بعد أن جر العالم إلى كوارث، وكان السبب في إشعال حروب أهلية، وهجرات جماعية، ودمار اقتصادي واجتماعي وثقافي. مؤشرات كثيرة تدل على ذلك، حيث ساهمت عوامل اجتماعية واقتصادية، في سقوط الجماعة وفروعها.

في مصر يعيش الإخوان أزمة حقيقة بعد أن انفض الشباب من حولهم، واتضح للجميع أن ما يسعون إليه ليس التقرب من الله، بالعبادة وبفعل الخير، بل شهوة الحكم والسلطة هي التي تحركهم.

لهذا سارعت جهات محلية وخارجية إلى إسناد الاحتجاجات المحدودة التي خرجت في القاهرة ومدن مصرية أخرى يوم الجمعة، إلى جماعة الإخوان، لتثبت للعالم أن الإخوان ما زالوا يسيطرون على الشارع المصري والشباب المصري.

ومهما كان من أمر تلك الاحتجاجات، التي أكدت مصادر عديدة أن أغلبها تسجيلات معدلة، بثت من تركيا وقطر، فإنها لن تنقطع نهائيا، طالما أن هناك شعبا لديه مطالب. ما حدث في القاهرة ومدن أخرى لا علاقة له بالإخوان، هناك جيل جديد من الشباب في مصر، يتحرك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، جيل مرشح ليكون بديلا للمعارضة التقليدية، بعيدا عن الانتماءات الحزبية الضيقة، يناضل ليس فقط من أجل لقمة العيش، بل دفاعا عن حقه في التعبير وحقه في أن يكون شريكا في اتخاذ القرار.

أجيال فيسبوك وتويتر وإنستغرام، تقول لكم “كفاية”، لا نحتاج لوساطتكم في علاقتنا مع الله، نحن أكثر إيمانا منكم، دليلنا على ذلك أننا لم نستخدم الدين مطية للسياسة

وفي تركيا، التي نصبت نفسها راعيا للمشروع الإخواني، بقيادة رجب طيب أردوغان، تستعد الأحزاب لمرحلة ما بعد أردوغان، بعد أن باتت أيامه في الحكم معدودة، مهدت إليها خسارته المذلة في إسطنبول، ومدن تركية أخرى، وعززتها الانشقاقات التي يواجهها حزب العدالة والتنمية، ليفقد خلال زمن قياسي أكثر من مليون من منتسبيه، إضافة إلى الوضع الاقتصادي المتردي والفساد المستشري.

ظن أردوغان أن بمقدوره إحياء الخلافة الإسلامية، وإعادة أمجاد الحقبة العثمانية، ووقف ضد التاريخ، وكان طبيعيا أن يهزم.

خسارة إسطنبول لمرشح حزب الشعب الجمهوري العلماني، أكرم إمام أوغلو، شكلت بداية النهاية للحقبة الأردوغانية، عندما تمكن أكرم من انتزاع المدينة التي بقيت في يد أردوغان والإسلاميين منذ عام 1994.

لن يتمكن الإخوان بعد اليوم من ممارسة حيل السحرة في عالم كله سحرة. الإخوان أدركوا ذلك ولو بشكل متأخر، ليتداعى 500 من قادتهم حول العالم إلى مؤتمر عقد في إسطنبول بداية الأسبوع الماضي، تحت عنوان “أصالة الفكرة، واستمرارية المشروع”، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بعد تسعين عاما من التأسيس، يطرح قادة الإخوان إمكانية إجراء مراجعة فكرية، ويناقشون كيفية التعامل مع القضايا الدعوية والمجتمعية والسياسية والعلاقات الدولية.

وبدلا من اختيار طريق الاعتدال، اختارت الجماعة أن تسلك طريق التطرف، حيث تمسك قادة الإخوان بما أسموْهُ “العمل الثوري لتغيير الأنظمة” بهدف إقامة دولة إسلامية، معلنين تحدّيهم للأنظمة الحاكمة، داعين إلى تصعيد المواجهات معها. لغة يشتمّ منها نفس الرائحة التي انبعثت من خطابات داعش والقاعدة ومنظمات متطرفة أخرى.

سياسة التمسكن، لم تكن مجدية، العالم تغيّر، والمعلومة اليوم تنتقل في الهواء بحرية. والأجيال الشابة سئمت، وقالتها صراحة، منحناكم الفرصة تلو الفرصة وأسأتم التصرف. وفي كل مرة تمكنتم فيها من الحكم، خنتم الآلية التي أوصلتكم إليه.

الديمقراطية والليبرالية، بالنسبة لكم، دواء مر، تتجرعونه مرة واحدة، ثم ترمون به جانبا. لا يمكن أن تكونوا إلا هكذا، تقفون ضد حركة التاريخ، فأنتم على صواب مطلق، وحدكم تمتلكون الحقيقة، وهذا إن شكل في الماضي سرّ قوتكم، فهو في الحاضر سبب مقتلكم. فالأجيال الشابة اليوم هجرت الحقائق الثابتة المطلقة، وتبنت مبدأ “الشك”.

وبينما اعتبر العالم أن “الشك” أول مراتب اليقين، رأيتم فيه أول مراتب الكفر. أحكامكم قطعية، ومعارفكم مسلمات استغنت عن البرهان، اليقين الأعمى مبدأكم. ومنذ أن تحقق لكم النصر على المعتزلة، صادرتم الكتب المنقولة عن اليونانية والسريانية والهندية، وأغلقتم مدارس الفلسفة في الرها وأنطاكية والإسكندرية وحرّان، وراج بينكم الحديث “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده”.

في مصر يعيش الإخوان أزمة حقيقة بعد أن انفض الشباب من حولهم، واتضح للجميع أن ما يسعون إليه ليس التقرب من الله، بالعبادة وبفعل الخير، بل شهوة الحكم والسلطة هي التي تحركهم

الخراب سبقكم إلى كل بلد دخلتموه، من مصر التي شهدت ميلاد حركتكم، إلى اليمن وسوريا، مرورا بالأردن والعراق وفلسطين ولبنان، وعلى امتداد الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

ما عجزت عن فعله أحزاب اليسار والأحزاب الليبرالية، أنجزته مواقع التواصل الاجتماعي، التي مكنت الشباب من وسيلة للتخاطب وتبادل الأفكار، وأنهت عصر احتكار المعلومة.

لم يكن مؤسس موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مارك زوكربرغ، يعلم أن اللعبة التي بدأها عام 1996، وهو شاب صغير، ستتطور لتهدد عرش أنظمة شمولية. أردوغان، المهزوم، اعتبر مواقع التواصل الاجتماعي عدوّه اللدود، وعمل جهده على إصدار حكام لحجب عشرات  المواقع والحسابات على موقع فيسبوك، بداعي حماية “الأمن القومي”. حتى أن موسوعة ويكبيديا الإلكترونية تم حجبها في تركيا منذ 2017.

أجيال فيسبوك وتويتر وإنستغرام، تقول لكم “كفاية”، لا نحتاج لوساطتكم في علاقتنا مع الله، نحن أكثر إيمانا منكم، دليلنا على ذلك أننا لم نستخدم الدين مطية للسياسة. علاقتنا مع الله علاقة تسامح وحب ورحمة، وعلاقتكم معه علاقة سلطة وشهوة حكم.

الإخوان المسلمون هم اليوم أمام خيارين: أن يقبلوا شروط اللعبة الجديدة، ويعطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ. أو أن يتبنوا “العمل الثوري لتغيير الأنظمة” عملا بقرار قادتهم الخمسمئة الذين اجتمعوا في إسطنبول، عندها لن يتردد العالم في تصنيفهم ضمن الجماعات الإرهابية، ليواجهوا نفس المصير الذي واجهته القاعدة وداعش.

8