مواقع التواصل متنفّس لآخر صانعات الفخار في المغرب

متطوعون في جمعية "أرض النساء" يجوبون جبال الريف لجمع الأواني الفخارية في القرى النائية وعرضها للبيع في متجر صغير بالعاصمة المغربية الرباط يقصده السياح الأجانب.
الجمعة 2019/07/12
فخار ماما عائشة نحو العالمية

تسهّل اليوم مواقع التواصل الاجتماعي على الحرفيات وصاحبات المشاريع المنزلية ترويج منتجاتهن والتعريف بها وبحرفهن، وفتحت هذه المنصات الباب نحو العالمية لهذه الأعمال ولصاحباتها وهو ما جعل هواة وباحثين أجانب يسافرون إلى أعماق الريف المغربي لمشاهدة تحف ماما عائشة آخر صانعات الفخار في المغرب، ولتعلم تقنيات صناعة الأواني الفخارية قبل أن تندثر، بعد أن هجرها الباحثون والباحثات إلى وظائف برواتب شهرية قارة.

الرباط- قطع الفخار التقليدية من صنع ماما عائشة لم تعد تجذب الزبائن في المغرب فقط، لأن مواقع التواصل الاجتماعي حولت بيتها في قرية نائية، إلى قبلة لهواة تعلّم فن الفخار من مختلف أنحاء العالم.

وأتت الفنانة التشكيلية الفلسطينية ميرنا باميه من رام الله في الضفة الغربية بمجرد أن علمت، عن طريق خدمة “إنستغرام”، بتنظيم دورة تدريبية لتعلم تقنيات صناعة الفخار التقليدية في بيت ماما عائشة (82 سنة) في قرية عين بوشنيق الواقعة وسط مرتفعات الريف في شمال المغرب.

تقول باميه “ماما عائشة تقدمت في السن، وصنعتها مهددة بالانقراض، لذلك يجب الحفاظ عليها”. تغرس ميرنا يديها في الطين مفترشة حصيرا، برفقة أربعة هواة آخرين جاؤوا من لندن ونيروبي، تحدوهم رغبة امتلاك تقنيات هذا الفن التقليدي العريق.

يستمر التدريب أسبوعا يتعلم خلاله هواة صنع الفخار تطويع الطين يدويا لتشكيل قطع فخارية تجفف تحت أشعة الشمس قبل وضعها في فرن خشبي ثم صقلها بحجر لتزيّن بعد ذلك بملونات طبيعية.

وتنتمي عائلة ماما عائشة إلى قبيلة السلاس التي اشتهرت بممارسة هذه الحرفة المتوارثة جيلا بعد جيل على مدى قرون لكنها باتت اليوم معرضة للانقراض. ولم تعد القرية تضم اليوم سوى ست ورشات تقليدية بينما كان

عددها يقارب التسعين خلال تسعينات القرن الماضي. وتأسف ماما عائشة “لكون شباب القرية لا يريدون تلطيخ أيديهم بالطين، الجميع هنا يحلم بأن يصبح موظفا بأجر ثابت”. وفي ظل غياب الخلف باتت تقنيات هذه المهنة اليدوية التقليدية، التي تعود أصولها إلى أكثر من 2000 سنة حسب بعض الخبراء، تضيع شيئا فشيئا.

ويتذكر محمد ابن ماما عائشة (53 سنة) متحسرا “في طفولتي كان الجميع يستعملون أدوات فخارية في الحياة اليومية، وكانت والدتي تبيع قطعا كثيرة في السوق، لكن الجميع أصبحوا يفضلون اليوم الأدوات البلاستيكية”.

ويضيف “فكرنا في إنشاء متحف للفخار لكن السلطات المحلية لم تبد اهتماما بالفكرة”. ويحاول باحثون وهواة ومهنيون أو متطوعون، معظمهم أجانب، منذ عقود وقف النزيف، لكن دون جدوى.

وفي إطار هذه الجهود قام عالم الأنتروبولوجيا الألماني روديغير فوسن، في الثمانينات والتسعينات خلال جولة في قرى المغرب، بجرد التقنيات والتصاميم الخاصة بكل قبيلة من القبائل التي تنتشر فيها صناعة الفخار.

ويجوب المتطوعون في جمعية “أرض النساء” منذ سنوات جبال الريف لجمع الأواني الفخارية في القرى النائية وعرضها للبيع في متجر صغير بالعاصمة المغربية الرباط يقصده السياح الأجانب. واستفادت صانعات الفخار الريفيات في الفترة الأخيرة من تسليط

المديرة الفنية لدار “ديور” للأزياء الإيطالية ماريا غراتسيا كيوري، الضوء على هذه الصنعة بمناسبة عرض للأزياء الراقية أقيم في مدينة مراكش (جنوب).

لكن الفضل في شهرة ماما عائشة عالميا يعود إلى خدمة “إنستغرام”. وتوضح كيم ويست (33 سنة) الآتية من بريطانيا أن هذا التطبيق “يستعمل كثيرا من قبل الفخارين حيث ينشرون صور أعمالهم ويتبادلون المعلومات والنصائح”.

وبفضل هذا الموقع أيضا ذاع صيت الحصص التدريبية التي تنظمها جمعية “سومانو” ولقيت نجاحا باهرا. وتسعى هذه الجمعية إلى ترويج منتجات الفخار التقليدية في الخارج. وتقول المسؤولة في الجمعية الإسبانية مارتا فالديون (42 عاما) “المقاعد كلها حجزت بعد يومين من بدء التسجيل، ولدينا لائحة انتظار لمرشحين من مختلف بلدان العالم”.

توجه ماما عائشة، بنظرة متقدة، المتدربين ناقلة إليهم تقنيات الصنعة في الورشة الواقعة قرب مزرعة العائلة. وتلقي الدروس باللغة المحلية، مستعينة بالحركات والإشارات. وقد علقت أوراقا تحمل بعض عبارات التواصل الضرورية بالدارجة، مكتوبة بأحرف لاتينية.

في ظل غياب الخلف باتت تقنيات هذه الصنعة اليدوية التقليدية، التي تعود أصولها إلى أكثر من 2000 سنة حسب بعض الخبراء، تضيع شيئا فشيئا

كذلك كتبت على أوراق أخرى بعض المعلومات “الضرورية” للمتدربين، مثل أسماء الأواني الفخارية والأدوات المستعملة في الصنعة. قضت ماما عائشة حياتها بين العمل في مزرعة العائلة ورعاية الأبناء شأنها في ذلك شأن غالبية النساء القرويات في المغرب.

وتعد هدى (27 سنة) من الشابات القليلات اللائي يرغبن في “السير على خطى والدتها”، وهي من قبيلة مطيوة المجاورة. وتعمل هي الأخرى في مزرعة عائلية في جبل وسط حقول القنب الهندي، التي تشكل زراعتها غير القانونية مصدر الغنى الأساسي في منطقة الريف.

وبدأت ممارسة صناعة الفخار في سن السابعة، لكنها لم تتمكن من تعلم القراءة والكتابة. وتشير آسفة إلى غياب أي مدرسة في المنطقة. وتقول بابتسامة خجولة “لا يمكننا العيش من ممارسة هذه الحرفة، يجب أن نعرّف بها كي تصبح مدرة للدخل”. وبدأت هدى توقع تصاميمها بأحرف اسمها الأولى مبدعة أشكالا جديدة، “لتنويع منتجاتها وإبداء التميز”.

وتوضح مارتا “قطع الفخار تحف فنية بالنسبة لنا، لها قيمة حقيقية”. وتقتني هذه الجمعية منتجات الفخار من الصانعات المحليات، بناء على طلبيات مسبقة، وتنقلها إلى إسبانيا حيث تباع بسعر أعلى بعشرين مرة على موقعها الإلكتروني. وتعد بتوزيع الأرباح محليا “عندما تصبح هذه العملية مربحة”.

ويجمع حب هذه الحرفة اليدوية والإعجاب بأواني الفخار وبفن تطويع الفخار وزخرفته والحصول على قطع فنية فريدة ومميزة، بين أجيال تمتد من عهد طفولة ماما عائشة إلى جيل الشباب اليوم مثل هدى وغيرها من الأجنبيات.

21