مواقع التّواصل الاجتماعي.. ما يعجب وما لا يُعجب المرجعية الدّينية

كان الكاسيت فيسبوك الخميني من أجل الله، بينما تغريدات من ينتقده سياسيا اليوم من أجل الشيطان.
الثلاثاء 2018/08/28
وسيلة بيد الجميع

كلما أُنجز اختراع أو تحقق اكتشاف علمي يقف رجال الدّين منه، إما موقف الحذر أو الرّفض، وإما أنهم يعتبرونه إنجازا أشار إليه القرآن، وهؤلاء من عرفوا بأصحاب “الإعجاز العلمي في القرآن”. فقد شاع بين العراقيين، ولا نعلم أنه حقيقة أم اختلاق، بأنه عندما دخل القطار قال أحد رجال الدّين “أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفير”، والشمندفير هو القطار.

كذلك وقف بعضهم موقفا سلبيا من السيارة، واعتبروها آلة شريرة مخيفة، وكثرت معارضتهم لجهازي التلفزيون والراديو، ثم وافقوا عليهما بشرط أن يقتصرا على إذاعة تلاوة القرآن والبرامج الدينية، حتى أنه في أول أيام الثورة الإيرانية، شاع بين الإيرانيين إلغاء البرامج الترفيهية وما يخص الغناء والتمثيل، وصار التنوع في البرامج ظهور رجل دين بعمامة سوداء وفي برنامج آخر يظهر بعمامة بيضاء، فهو ما يمثل التنوع في البرامج.

كانت هذه مقدمة أوجبها ما ورد في خطبة المرجعية الدينية في العراق، من منبر العتبة الحُسينية، والتي ألقاها كالعادة الشّيخ عبدالمهدي الكربلائي، وكيل المرجعية بكربلاء، والصادح بصوتها في كل جمعة.

جاء فيها التحذير من فيسبوك وتويتر، وكل وسائل التّواصل الاجتماعي، وجاء في الخُطبة، التي اٌلقيت في الرابع والعشرين من أغسطس “من الظواهر المجتمعية التي سادت مجتمعاتنا في الأزمنة الأخيرة، الإدمان على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وسوء استخدامها، أي الاستخدام المفرط وغير المنضبط بالضوابط الشرعية والأخلاقية، حتى أصبح عند الكثير من ضروريات الحياة التي لا ينفك عنها الصغير والكبير والرجل والمرأة، وأصبح ملازما للإنسان في كل مفاصل حياته، ولوسائل التواصل دور أساسي في صياغة الكثير من المواقف العقائدية والثقافية والآراء السياسية، وتلقّي العادات والتقاليد، وتكوين الآراء والانطباعات الاجتماعية وتمتلك تأثيرا قويا على الجوانب النفسية والعاطفية والأخلاقية”.

عندما يكون العلم أو الإعلام، خادما لتوجه رجال الدّين، يعتبرون نعمة من الله، فلو حدثت الثّورة الإيرانية في زمن ثورة التواصل الاجتماعي، لكانت خُطب الخميني وتصريحاته تُبث من المئات من الحسابات، ففي زمنه كان اختراع الكاسيت المسجل هو الوسيلة لإذاعة هجومه ضد نظام الشّاه، هذا الكاسيت الذي حرك الجمهور مع ما فيه من مبالغات واختلاقات الهدف منها التأثير، وخضوع الكاسيت لفاحصين إعلاميين كي يتأكدوا من تأثير ما يُسجل فيه.

كذلك ما إن ظهر اختراع الشبكة العنكبوتية وقبل أن يشاع استخدامها، سارعت المرجعيات الدينية إلى استغلالها بفتح مواقع خاصة، وتوظيف اختصاصيين يظهرون الموقع مؤثرا، باختيار صورة المرجع وإطلالته على الجمهور، مع الحرص على أن تكون الأجواء قُدسية كظهور صورته من بين الغيوم مثلا.

لكن هل تعتقد المرجعيات الدينية أن هذا الاختراع وذاك الاكتشاف ظهر من أجلهم، وبث فتاواهم أم أنه وسيلة بيد الجميع؟ ومثلما من حقهم بث عقائدهم وتوصياتهم في الحلال والحرام، من حق الآخرين سماع الأغاني وبث الأشعار والآراء والعقائد، لأنه مجال مفتوح بلا قيود عقائدية.

لم تتجرأ المرجعية على تحريم أو تضييق استعمال هذه الوسائل إلا لأنها تعرضت للنقد الحاد المباشر، ليس هي كمؤسسة فقط وإنما المؤسسات الدينية كافة، بل والعقائد المذهبية.

كان الأجدر بالمرجعية أن تُحرّم على المعممين استغلال وسائل التواصل، وأبرزها فيسبوك وتويتر، والفضائيات التي لا تُحصى عددا، لبث الجهل بواسطتها، فهل تريد من السامعين العقلاء ترك هؤلاء يتلاعبون بالعقل الجمعي حتى صار بحالة يُرثى لها؟

هل تعتقد المرجعيات الدينية أن هذا الاختراع وذاك الاكتشاف ظهر من أجلهم، وبث فتاواهم أم أنه وسيلة بيد الجميع؟
هل تعتقد المرجعيات الدينية أن هذا الاختراع وذاك الاكتشاف ظهر من أجلهم، وبث فتاواهم أم أنه وسيلة بيد الجميع؟

تخشى المرجعية على النشء من الانحراف، وذلك بسبب حرية وسائل التواصل الاجتماعي، فنجدها تقول في خطبتها المذكورة “كثرة وشيوع استخدامها وتوظيفها السلبي في الكثير من مجالات الحياة ومنها نشر الأفكار المنحرفة وترويجها والتواصل الاجتماعي السلبي بإقامة العلاقات غير المشروعة دينيا وأخلاقيا وهتك الحرمات وتضليل الآخرين”.

وتضيف الخطبة معددة مضار مواقع التواصل الاجتماعي وبينها “هدم العلاقات الاجتماعية الواقعية بسبب كثرة استخدام العالم الافتراضي وإبعاد الفرد عن جوّه الاجتماعي العام والأسري وإقامة علاقات خارج أطر العلاقات الاجتماعية التي شرعها الشرع والقانون والعرف الاجتماعي مما أدى إلى تفكك الكثير من الأسر وانفصال الأزواج عن بعضهم وتعرض الفرد إلى حالات من العزلة عن واقعه الاجتماعي والاكتئاب والقلق والاضطراب النفسي حتى أصبح استعمال وتوظيف هذه المنظومة سلاحا ذا حدين خطيرين”.

نسأل المرجعية، ونحن معها في خشيتها على العقل، مَن يُحدد الانحراف، وما نوع الانحراف حسب رأيها وتقليدها؟ وما هي العلاقات غير المشروعة، فهل أعلنت عن إغواء النساء من قِبل رجال الدين انحرافا وعلاقات غير شرعية؟

وهل عندما يظهر خطيبها الكربلائي نفسه، ويقول في خطبة سابقة “لا بد من الخضوع لقيادة الإمام المهدي المنتظر، وإن كل حياتنا تنصب لخدمة مشروعه”، أي المهدي، هل هذه الفكرة الخيالية منسجمة مع الواقع، وليس فيها انحراف عن العقل؟

هل تكريس طاعة الفقيه في كل ما يقوله ويسلكه يعد منسجما مع العقل والحياة المعاصرة، فعن أي انحراف تتحدث المرجعة الدينية عندما يأتي على لسان خطيبها “الأفكار المنحرفة وترويجها والتواصل الاجتماعي السلبي، بإقامة العلاقات غير المشروعة دينيا وأخلاقيا وهتك الحرمات وتضليل الآخرين”.

كان كاسيت الخميني من أجل الله، بينما كاسيت من ينتقده سياسيا وعقائديا من أجل الشيطان، هذا ما ينطبق على موقف المرجعية الدينية من وسائل التواصل الاجتماعي، فهي التي تُحدد متى تكون مع الله ومتى تكون مع الشيطان، متى تكون مستقيمة ومتى تكون منحرفة.

لكن الذي اخترع الكاسيت وتويتر وفيسبوك ويوتيوب لم يخترع هذه الوسائل العظمية من أجل الخميني والمرجعية، ولم يفكر عندها بالثنائية بين الله والشّيطان. إنها عالم أوسع من قيود المرجعيات، مما ينبئ بنذر تراجع دورها، فلم تعد المنابر محتكرة مِن قِبلها، فلكل إنسان منبره، وهو حر فيه.

لم يبق الأمر ما يُعجب وما لا يُعجب، هذا واقع جديد تهتز له عروش الكهانة وخطابها غير المنطقي، فالكاسيت الذي خدم الخميني ارتقى إلى وسائل أُخرى ضده، وما بات التحريم مجديا، في ساحة وسعها وسع الفضاء.

1