مواقف إقليمية تؤكد على وحدة السودان: تأييد للنظام أم للدولة

محللون: هناك دول تعلم أن رحيل البشير عن الحكم لا يعني رحيل النظام السوداني برمته، وتتوقع وجود ترتيبات معيّنة للخروج من المأزق بأقل خسائر ممكنة.
الأحد 2019/01/20
دعم لمطالب الشعب والدولة لا للنظام

القاهرة - حصل السودان على دعم من جهات مختلفة منذ انطلاق التظاهرات في البلاد الشهر الماضي، وبدا التأييد متفوقا على الإدانات التي صدرت من بعض الجهات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، وفي الوقت الذي اتسعت فيه دائرة الأولى، كانت الثانية تتقلص نسبيا، مقارنة بحالات مماثلة داعمة للاحتجاجات الشعبية ضد الكثير من الحكومات العربية.

يتعامل النظام الحاكم في الخرطوم مع هذه المفارقة بأريحية شديدة، لأنه اعتبر التصريحات الداعمة لوحدة وأمن واستقرار السودان، مؤيدة للرئيس عمر حسن البشير، الذي تعمّد ترديد أسماء الدول التي وقفت إلى جوار دولة السودان على أنها تقف في صفه ومقتنعة بنظامه.

لم تشر التصريحات التي صدرت من دول متعددة مباشرة إلى النظام الحاكم في الخرطوم، وتعمّدت صيغتها التركيز على وحدة السودان واستقراره والحفاظ على أرواح المواطنين، لكن البشير أراد توظيفها باعتباره “هو الدولة والدولة هو”، للتلويح بأنه يحظى بمساندة خارجية كبيرة، بما يطفئ نيران الغضب في صدور من نزلوا للشوارع، ولن يجدوا مساعدة على غرار الانتفاضات السابقة في بعض الدول العربية، مهما تصاعدت احتجاجاتهم.

يدرك من قدموا دعما ظاهرا للدولة السودانية أن التمادي في التظاهرات وتمكنها من سقوط النظام الحاكم له عواقب وخيمة على دولة تتعرض لمشكلات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية بالجملة، ومن الممكن أن تنسحب تداعيات من هذا النوع على دول في المنطقة، ورأوا أن هذا البلد سيقدم على كارثة إذا حدث انهيار مفاجئ للنظام الحاكم.

كما أن مفردات التأييد واضحة للسودان ككيان معنوي، ويدرك الجميع حجم الاهتزازات التي يعاني منها النظام الحاكم، ومن الصعوبة التعويل على صموده فترة طويلة حتى لو تجاوز عقبة الانتفاضة الحالية، وهناك دوائر من داخله يمكن أن تنجح في تغيير المشهد، ودوائر من خارجه متمثلة في المعارضة يمكن أن تنقضّ عليه.

في مثل هذه الحالات يصبح الرهان على حصان واحد عملية صعبة، لأن الدولة أو الدول التي تضع كل تأييدها في سلة نظام يترنّح ستتكبد خسائر كبيرة على المدى الطويل، ويمكن أن تكون لها روافد مؤثرة على مصالحها المادية مستقبلا، وكان الخيار المناسب هو أولوية دعم الدولة.

لن يحمل الشعب السوداني وقطاعاته المحتجة، عقب تجاوز هذه المحنة، ميولا جيدة لأي دولة وقفت إلى جوار نظام البشير، وسوف يظل يطاردها (أخلاقيا) شبح دعم حكم أمعن في قمع المتظاهرين، ما يفسّر الصمت الرسمي الكبير من قبل جهات متباينة مع التظاهرات الجارية في السودان، والذي يمكن أن يتحول إلى نقمة، إذا تيقنت دول كثيرة أن البشير ورفاقه سيرحلون لا محالة.

هناك دول تتريّث أيضا وتعلم أن رحيل البشير عن الحكم لا يعني رحيل النظام السوداني برمته، وتتوقع وجود ترتيبات معيّنة للخروج من المأزق بأقل خسائر ممكنة. وتحاول أن تكون تصرفاتها حذرة أو متسقة مع ما يبعدها عن تحمل التبعات السلبية لهذه الخطوة، ولجأت إلى استخدام صيغة دبلوماسية تحايلية تجنبها الصدام مع الخرطوم حاليا، وتخفف من وطأة الرواسب القاتمة مع نظام الحكم القادم إذا تأكد أن البشير سيواجه مصير من سبقوه في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن أو حتى بشار الأسد في سوريا.

مرونة خارجية

مساحة المرونة الخارجية المصاحبة للتظاهرات بدت قماشة سياسية جيدة للنظام السوداني
مساحة المرونة الخارجية المصاحبة للتظاهرات بدت قماشة سياسية جيدة للنظام السوداني

بدت مساحة المرونة الخارجية المصاحبة للتظاهرات قماشة سياسية جيدة للنظام السوداني، حاول الاستفادة منها وجني حزمة من المكاسب، بعد الترويج لها في خطابات رسمية، باعتبارها تنطوي على دعم له، لوقف النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عن مواصلة حملاتهم الإلكترونية، في رسالة يشير معناها إلى أن السودان يختلف عمن سبقوه في الثورات، وله تجارب خاصة مع الانتفاضات، وما يجري الآن منقطع الصلة بهما.

لم ينطل هذا الخطاب على الكثيرين، وفهمت المعارضة وقوى شبابية مختلفة أن البشير يستنجد ببعض الدول في الخارج، ويوظف علامات التأييد لوحدة وأمن واستقرار السودان بطريقة خاطئة، وشن هؤلاء حملات إدانة لما يمكن وصفه بـ”التقاعس” الخارجي عن دعم التظاهرات، في وقت تلتزم فيه الكثير من الدول الصمت، وتتحرك منظمات حقوقية وتجتهد في توسيع نطاق الإدانات، ربما لسد الفجوة في الانتقادات الدولية.

لم يستطع نظام الخرطوم تقديم دليل قوي على أن الرئيس يحظى بتأييد مادي أو سياسي، حتى الدول الحليفة والتي بدت صديقة من منطلق أيديولوجي، مثل تركيا وقطر، لم تقدم دعما يخفف من حدة الأزمة الاقتصادية، وهي صلب المشكلة في السودان، وأصبح كأنه يجدّف ضد التيار من دون سند أو معين.

أخفقت حجة تقاعس المجتمع الدولي في الوقوف بجوار الشعب السوداني بسبب مسيرة الثورات العربية السابقة والتي وضعت علامات استفهام كبيرة على بعض القوى الدولية، واستمرت فئة كبيرة من المواطنين في دعم تظاهرات تتزايد يوما بعد آخر وتتنوع شريحة المشاركين فيها، وفشلت جميع عوامل الردع الأمني والسياسي في إطفاء شعلتها. لجأت بعض الدوائر السودانية إلى التسويق لفكرة حصول نظام الخرطوم على مساعدات عسكرية واقتصادية من بعض الدول، وتم خص مصر بالذكر، وقيل إنها شحنت طائرات محملة بصناديق مليئة بالقنابل المسيلة للدموع والأسلحة الخفيفة.

انتشرت الفكرة في أنحاء كثيرة من البلاد، وجرى التعامل معها بحسبانها من روافد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري واللواء عباس كامل رئيس جهاز المخابرات للخرطوم، بعد أيام قليلة من اندلاع التظاهرات السودانية الشهر الماضي، في إطار زيارة روتينية محددة سلفا ضمن اجتماعات دورية مشتركة بين البلدين، لكن توقيتها وفّر قراءة سياسية خاطئة للكثيرين. جاء الحديث عن هذه المساعدات، بعد إشارة البشير الأولى إلى دعم بعض الدول الصديقة، ولم يذكر بينها مصر ولم يثمّن زيارة شكري وعباس، ثم ذكرها في خطاب آخر، ضمن عدة دول، ألقاه في ولاية جنوب دارفور في 14 يناير، ما يوحي للبعض بأن الشكر ردّ لجميل القاهرة عليه، وهي إشارة إيجابية بالنسبة إليه في الظاهر، لكنها سلبية في الحقيقة، لأنها جاءت في وقت انتشار شائعة الدعم العسكري، بما يضرب في مقتل أحد الأعمدة الرئيسية في العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني، والتي لم تهتز كثيرا على الرغم من المناوشات السياسية بين النظامين الحاكمين في الفترة الماضية.

وجدت الشائعة هوى لدى قطاعات كبيرة في الحركة الإسلامية، التي تدعم البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، لأنهما من الأذرع السياسية للحركة، ويحمل هذا القبول رضاء من قيادات إسلامية داخل وخارج السودان، عملت دوما على شق العلاقة بين القاهرة والخرطوم، والتي لم تتحسن إلا بعد أن سعى البشير لتقويض بعض أجنحة الحركة الإسلامية في الحكم.

خلط بين الدولة والنظام

لعبة التشويه تخلط بين الدولة والنظام
لعبة التشويه تخلط بين الدولة والنظام

إذا كانت لعبة التشويه تخلط بين الدولة والنظام، فهي أيضا وضعت مصر أمام سهام حادة من الشارع في السودان، وتبدو الدولة الوحيدة التي تقدمت بمساعدات لنظام من الممكن أن يتهاوى في أي لحظة، ومهما كانت انتماءات وميول الطبقة الجديدة، عسكرية أو إسلامية أو مدنية، لن تسمح بأن تصبح العلاقة مع القاهرة تسير بصورة طبيعية، في ظل شبكة كبيرة من المصالح تربط بين البلدين.

يؤدي تصوير المشهد بهذه الطريقة إلى وضع مجموعة من العراقيل في طريق تعظيم العلاقات مستقبلا، ويحرّف فكرة دعم القاهرة المبدئي لوحدة وأمن واستقرار السودان عن مساره، ويجعلها لصيقة بالرئيس البشير، فإذا رحل عانت مصر كثيرا من أي نظام سيخلفه.

للمزيد اقرأ:

لماذا تهتم وكالة الاستخبارات الأميركية بالنظام السوداني

4