مواكبة التكنولوجيا لا تكفي لتحول الصحف المصرية رقميا

الكثير من العاملين في المؤسسات الحكومية ينظرون لفكرة الخدمة الإخبارية المدفوعة بريبة وخوف، لأن القالب الصحافي المقدم للناس يبدو نمطيا ويخدم توجّهات وسياسات بعينها.
الأربعاء 2019/09/11
سوق في طريقها إلى الزوال

قبل الشروع في تجربة التحول الرقمي مدفوع الأجر للصحف الحكومية المصرية، يجب على صناع القرار الإجابة على السؤال الأهم: ماذا تمتلك كل صحيفة إلكترونية من محتوى يدفع الجمهور لشرائها؟، لأن الإجابة هي ما تحدّد إمكانية نجاح المشروع.

القاهرة- بدأ العدّ التنازلي لتحويل المحتوى الذي تقدمه الصحف الحكومية في مصر، إلى “رقمي مدفوع الأجر”، في محاولة تبدو أخيرة من الحكومة لتقليل حجم الخسائر وتعويض ندرة الموارد وتراجع إيرادات الإعلانات، وانخفاض معدلات التوزيع لأرقام زهيدة.

وتأتي الخطوة ضمن مشروع يجري إعداده لتحويل الصحف الورقية الرسمية إلى رقمية، ومن المقرر أن يتم تطبيقه على مراحل، بحيث تضمن كل مؤسسة إعادة استثمار تراثها الإعلامي الذي تمتلكه ويؤرخ لأحداث نادرة عاشتها البلاد طوال أكثر من مئة عام.

وقال كرم جبر، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وهي جهة مسؤولة عن تنظيم عمل المؤسسات الصحافية الحكومية، إنه سيتم تطبيق نظام الخدمة الإخبارية مدفوعة الأجر، باعتبار أن الصحف الحكومية تمتلك مواد صحافية (تاريخية) تسمح لها بذلك. وينظر الكثير من العاملين في المؤسسات الحكومية لفكرة الخدمة الإخبارية المدفوعة بريبة وخوف، لأن القالب الصحافي المقدم للناس يبدو نمطيا ويخدم توجّهات وسياسات بعينها.

ويؤكد هؤلاء أن استمرار العمل بالسياسة التحريرية البعيدة عن نبض الناس، ينذر برفض القراء التعاطي مع الخدمة مدفوعة التكلفة، كما أن نجاح المشروع الجديد مرهون باستقلالية الصحافة الرقمية عن القالب الصحافي التقليدي الذي تلتزم به المؤسسات ولا يحقق طموحات الراغبين في الاشتراك. وأوضح أحمد (ص)، وهو اسم مستعار لمسؤول بمؤسسة صحافية حكومية لـ”العرب”، أن العائق أمام نجاح تجربة المحتوى المدفوع يكمن في لجوء المؤسسات الحكومية إلى إطلاق بوابات إخبارية إلكترونية لمجارة “موضة التكنولوجيا”، وليس بتخطيط استراتيجي له أبعاد مستقبلية.

وأضاف أن ذلك يمكن اكتشافه بسهولة من حجم الإخفاق في إدارة الكثير من المواقع والتراخي في تطوير محتواها وأسلوب عرض الأخبار والموضوعات نفسها، وهو ما استفادت منه الكثير من الإصدارات الرقمية الخاصة التي عرفت كيف تجذب الملايين من المتابعين.

وتشير تصريحات القائمين على تنفيذ مشروع رقمنة الصحافة إلى أن العمل على تقديم محتوى إخباري مميّز يكفي لاستقطاب مشتركين بأعداد كبيرة، وهي نظرة يراها متخصصون غير واقعية وربما تكون مقدمة للإخفاق، لأن الجمهور لا يدفع من أجل محتوى مميز في جانب وسيء في جوانب أخرى، بقدر ما يبحث عن تجربة مثالية في مجملها قبل أن يقرر التعاطي معها.

سيتم تطبيق نظام الخدمة الإخبارية مدفوعة الأجر، باعتبار أن الصحف الحكومية تمتلك مواد صحافية (تاريخية) تسمح لها بذلك
سيتم تطبيق نظام الخدمة الإخبارية مدفوعة الأجر، باعتبار أن الصحف الحكومية تمتلك مواد صحافية (تاريخية) تسمح لها بذلك

وتكمن الأزمة في أن مسؤولي بعض المواقع الإخبارية التابعة للمؤسسات الحكومية، لديهم مقاييس غير عملية للحُكم على نجاح إصداراتهم وتفاعل القراء معها، لأنهم ينظرون إلى عدد الزيارات اليومية والفترة الزمنية التي يقضيها القارئ في الموضوع الواحد، على أنها المعيار الأهم لتحقيق معدل نجاح معقول.

ويرى خبراء أنه لو جرى التعامل بنفس المنطق مع تطبيق المحتوى الإخباري مدفوع الأجر، فإن المرود الاقتصادي الذي تنشده المؤسسات الصحافية لن يتحقق، فقد تكون قصة إخبارية مثيرة ولافتة كافية لاستقطاب الآلاف من القراء لمرة واحدة، لكنها لم تجذب منهم أي مشترك جديد.

ويتطلب تحقيق أرباح اقتصادية مجموعة من المعايير التي تدفع الجمهور إلى دفع مقابل مادي نظير الحصول على الخدمة الإخبارية، منها التحرّر من هيمنة الحكومة وتطوير المحتوى ومخاطبة الفئات المختلفة بألوانها الفكرية والسياسية والثقافية، بعيدا عن التركيز على النخبة.

ويظل التحدي أمام نجاح مشروع الخدمة المدفوعة، أن يكون القائمون على رأس إدارة الصحف الحكومية لديهم خبرة التعامل مع الجمهور الرقمي والوفاء باحتياجاته، لأنه مهما امتلكت المؤسسات تراثا ومواد صحافية نادرة، فإن ذلك لا يهم شريحة كبيرة من الشباب الذين يفترض أنهم الجمهور الأهم للصحافة الرقمية.

وثمة معضلة أخرى، ترتبط بتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى منافس قوي للصحافة الرقمية، ويتم خلالها نشر أخبار وقصص إنسانية ومقالات رأي وتحليل دون مقابل، ويقوم بهذا الدور صحافيون وسياسيون وكُتاب، ممن لا تسمح السياسة التحريرية لأكثر الصحف بنشر ما يكتبونه، وبالتالي أصبحت منصات التواصل بوابة إخبارية بديلة وموازية للإعلام التقليدي.

ويفرض ذلك الواقع على صناع القرار في المؤسسات الصحافية الحكومية، الإجابة على السؤال الأهم: ماذا تمتلك كل صحيفة إلكترونية من محتوى يدفع الجمهور لشرائه؟

وهناك قطاع كبير من الصحافيين لا ينشرون الأخبار التي تتعلق بقضية تهم الرأي العام سوى من خلال بيان رسمي، وأكثر رؤساء التحرير يرفضون فكرة “إنتاج الأخبار” بمجهود ذاتي والتواصل مع مصادرهم، ويفضلون الرواية الحكومية لإبعاد أنفسهم عن المنغّصات.

وهناك محظورات بالجملة أقرّها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ترتبط بالتغطية الصحافية وقواعد النشر لأي أخبار تخصّ السياسة والاقتصاد والحوادث والرياضة والمرأة والطفل وقضايا الإرهاب، أيّ أن المحتوى المفترض أن ينتظره القارئ محاط بقائمة لا حصر لها من الممنوعات، وبالتالي لن يجد ما يغريه لدفع مقابل مادي نظير الحصول على خدمة إخبارية لا تحقق الحد الأدنى من رغباته.

ويقود هذا الواقع إلى نتيجة أن هناك فارقا شاسعا بين نوعية الصحافة الرقمية التي ترغب المؤسسات في تقديمها، وبين تلك التي يريدها الجمهور، ما ينذر بعواقب وخيمة تنتظر المشروع الجديد، إذا استمر التعامل مع قارئ المحتوى مدفوع الأجر بنفس التعاطي مع قارئ الصحيفة الورقية.

وأوضح عبدالله زلطة، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة بنها (شمال القاهرة) لـ”العرب”، أنه لو استمرت المواقع الإخبارية تتحدث بلسان الحكومة، فلا جدوى من تحويل محتواها إلى مدفوع الأجر، لأن الناس لن تشترك مهمَا كان المقابل المادي ضعيفا، ويكون مصيرها الفشل، لافتا إلى أن “الحكومة لا تتصوّر خطورة الموقف بتراجع دور العمود الأساسي لحفظ توازن المجتمع، وهي الصحافة الحكومية”.

استمرار العمل بالسياسة التحريرية البعيدة عن نبض الناس، ينذر برفض القراء التعاطي مع الخدمة الرقمية المدفوعة

صحيح هناك تجربة ناجحة لصحف عربية ودولية تحولت إلى خدمة المحتوى مدفوع الأجر، لكنّ القائمين على الإدارة عندما قرروا ذلك، درسوا أولا احتياجات الجمهور، وطبيعة المادة الإخبارية والقصص التي يريدها القراء.

ولفت صحافيون بمؤسسات حكومية، إلى أن اقتصار تقديم محتوى مدفوع الأجر على الصحف الحكومية، مع استمرار باقي الإصدارات الخاصة والمستقلة مجانية، لن يشجع على الاشتراكات الإلكترونية ولن تتحقق الجدوى الاقتصادية من المشروع الرقمي، ويفترض أن تتوحد الآراء الصحافية في مختلف المؤسسات (الحكومية والخاصة) لتعميم التجربة، ويختار القارئ الصحيفة التي يشترك بها.

وفي هذه الحالة، سوف تكون الصحف الرقمية الحكومية مضطرة إلى تعديل مسارها والتخلي عن المحظورات، وهو أمر مرتبط بالمناخ السياسي العام ورغبة الحكومة في أن تكون هناك صحافة تتمتع بقدر معقول من الحرية، لضرب عصفورين بحجر واحد. الأول إعادة استقطاب الجمهور لإعلام متزن يتمتع بمصداقية. والثاني خفض هيمنة وتأثير منصات التواصل الاجتماعي.

ورأى عبدالله زلطة، أن الأمر يتطلب خطة محكمة لدراسة السوق المصري ومعرفة عقلية القارئ المصري التي تختلف عن نظيره في أوروبا، مع تقديم محتوى يخاطب كل الفئات والأعمار وبمبالغ مالية قليلة تغري الناس على الاشتراك، والتطبيق التدريجي وليس الانتقال مباشرة من المجاني إلى المدفوع.

18