موانع صحية وضغوط دولية تعفي رائف بدوي من حصة الجلد الأسبوعية

السبت 2015/01/17
سعودي يجسد دور معلم يجلد طالبا في مهرجان بجدة تعبيرا عن إدانة ضمنية لعقوبة الجلد

الرياض - قرار تأجيل حصة جلد الناشط السعودي رائف بدوي التي كان منتظرا تنفيذها أمس الجمعة، رغم وضعه تحت عنوان الأسباب الطبية، مثّل مدعاة تفاؤل بإيجاد مخرج للقضية يجنّب المملكة الانتقادات والضغوط ويحمي صورتها في الخارج.

تأجّل أمس في السعودية جلد الناشط الليبرالي رائف بدوي المحكوم عليه في المملكة بالسجن عشر سنوات وألف جلدة كان تلقى الجمعة الماضية حصة أولى منها بخمسين جلدة.

وأكدت الخبر زوجة الناشط ومنظمة العفو الدولية ومصدر من داخل المملكة نقلت عنه وكالة رويترز.

وأورد الجميع سببا طبيا لتأجيل العقوبة، على اعتبار أن جروح الأسبوع الماضي لم تندمل بعد، الأمر الذي لا يسمح بالتمادي في تنفيذ العقوبة.

غير أن غالبية من علّقوا على قرار التأجيل أجمعوا على عدم فصله عن الضغوط الشديدة وعاصفة الانتقادات الحادة التي ثارت على مدار أيام الأسبوع الماضي ضد جلد بدوي، وصدرت عن شخصيات ومنظمات دولية وازنة وسبّبت حرجا للسلطات السعودية، خصوصا مع تزامن الشروع في تنفيذ العقوبة مع موجة الهجوم على الإسلام ومحاولة إلصاق تهمة التشدد به استغلالا لأحداث باريس الأخيرة.

وذهب البعض إلى الجزم بأن قرار تأجيل تنفيذ عقوبة الجلد بحق النشاط بدوي قرار سياسي، قد يتطور لاحقا إلى إلغاء للعقوبة، متسائلين عن مدى إمكانية أن يتم الأسبوع القادم استئناف تعزير بدوي تحت كل هذه الأضواء المسلّطة على السعودية.

ورأى هؤلاء أنّ الأمر من هذه الزاوية ينطوي على جوانب إيجابية أبرزها أنّه يؤكّد مجددا قدرة صنّاع القرار في المملكة على التخلّص من سطوة رجال الدين المتشددين الذين تحمّسوا لتنفيذ العقوبة بحق بدوي ودفعوا باتجاهها وهلّلوا على عدّة منابر دينية وإعلامية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي للشروع في تنفيذها الأسبوع الماضي على الملإ قرب مسجد الجفالي بمدينة جدّة، مظهرين قدرا كبيرا من الشماتة والتشفي.

وقال أصحاب هذا الرأي إنّ إعفاء بدوي من خمسين جلدة كان ينتظر أن ينالها أمس لم يخل من براغماتية وقدرة على الاستماع للأصوات الناقدة والمعترضة على العقوبة، ومن حرص على الحفاظ على صورة المملكة في العالم وما يتهددّها من ضرر.

بعض ما يدعو إليه بدوي مثل حل البوليس الديني لم يعد أصلا من التابوهات في السعودية

ويشير هؤلاء إلى عاصفة النقد التي أعقبت جلد بدوي الأسبوع الماضي، وبدا أنها قد تتدرّج إلى موجة ضغط على المملكة وتهديد لبعض مصالحها، على غرار ما دار في النمسا من جدل بشأن جدوى الاستمرار في عضوية مركز الملك عبدالله الدولي للحوار بين الأديان والثقافات.

والمدوّن السعودي الذي كان أسس الموقع الإلكتروني “الليبـراليـون السعوديـون” اعتقل في 17 يونيو 2012 وحكم عليـه في مايو 2014 بالسجـن عشـر سنـوات وغـرامـة تعـادل 267 ألف دولار، وألف جلدة مـوزعـة على 20 أسبوعا، بتهـم تتعلـق بجرائم إنترنت وإساءة للمقدسات رغـم أن محكمـة برّأته مـن تهمـة الـردّة التي تصـل عقوبتهـا حـدّ الإعـدام.

واشتهر بدوي خصوصا بمطالبته بحل البوليس الديني المعروف رسميا باسم “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهي مطالبة لم تعد اليوم من التابوهات في السعودية نظرا لتراكم أخطاء الهيئة وما تمارسه من تجاوزات بحق السعوديين.

ويذهب البعض إلى القول إن الهيئة بما تضمّه من شخصيات نافذة قد لا تكون بعيدة عن محاكمة الناشط، ونيله تلك العقوبة الشديدة.

وقد أبدت أطراف دولية اهتماما شديدا بقضية الناشط السعودي، وبادرت منظمة العفو الدولية إلى نشر إعلان مدفوع الثمن في أشهر الصحف العالمية، ومن بينها صحيفة الغارديان البريطانية للحث على التعاطف مع بدوي، متجاوزة الاكتفاء بمجرّد إصدار بيان. من جهتها طالبت واشنطن السلطات السعودية بالامتناع عن جلد بدوي مندّدة بهذه العقوبة التي وصفتها بـ“غير الإنسانية” كما ندد الاتحاد الأوروبي بالجلد مؤكدا أن “العقاب الجسدي غير مقبول ويتعارض مع الكرامة الإنسانية”.

وبدوره، حض المفوّض الأعلى لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة الأمير زيد بن رعد بن الحسين، العاهل السعودي على العفو عن بدوي.

الأمير زيد بن رعد: طلبت من العاهل السعودي مراجعة هذا النوع من العقوبات

وقال في بيان: “طلبت من العاهل السعودي ممارسة نفوذه من أجل وقف جلد رائف بدوي والعفو عنه ومراجعة هذا النوع من العقوبات القاسية جدا”.

وأشار إلى أن الجلد “يشكل نوعا من العقوبة القاسية وهو غير إنساني”، مضيفا “مثل هذه العقوبة ممنوع بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان خصوصا ما نصّت عليه شرعة مناهضة التعذيب التي انضمت إليها السعودية”.

وبدأ أمس ما يمكن أن تلحقه قضية بدوي من ضرر بمصالح المملكة، ومن انتكاس لجهودها في خدمة الحوار بين الشرائع والأديان مع ارتفاع أصوات من داخل النمسا تتساءل عن جدوى الاستمرار في عضوية مركز الملك عبدالله الدولي للحوار بين الأديان والثقافات، وتطالب بغلقه احتجاجا على جلد الناشط بدوي. والمركز المذكور تم تأسيسه عام 2011 بعضوية النمسا وأسبانيا والسعودية وبتمويل جلّه من الأخيرة.

وعبّر عن موقف الحكومة النمساوية صراحة وزير الخارجية والاندماج سباستيان كورتس وكذلك وزير الثقافة جوزيف أوسترماير مشيرين إلى الرغبة في إنهاء عمل المركز في النمسا في أسرع وقت ممكن لأنّه لا معنى لوجوده.

وقال وزير الثقافة إنه رغم مرور ثلاث سنوات على التأسيس إلاّ أن شيئا في الحوار لم يتغير. وبدا أن المستشار النمساوي فيرنر فايمان شعر بالحرج تجاه قضية غلق المركز التي قد تكون لها تبعاتها على علاقة بلاده بالسعودية، وحاول من ثمة مقاربة المسألة بحذر حيث طلب من وزارة الخارجية تقريرا حول إمكانية الانسحاب قبل الصيف المقبل لأن المركز لم ينأ بنفسه عن انتهاك حقوق الإنسان.

3