مواهب ليبية تحلق في الفضاء الافتراضي بعيدا عن السياسة

قنوات يوتيوب وألعاب إلكترونية بمحتوى محلي تجمع الليبيين في الشتات.
السبت 2019/06/22
أفكار بديلة خارج الصندوق

يبحث شباب ليبيون عن وسيلة للتعبير بحرية خارج إطار الإعلام التقليدي، وبعيدا عن الجدل في القضايا السياسية، فانطلقوا بمشاريع فردية صغيرة لصناعة محتوى إعلامي ترفيهي يطرح أفكارا جديدة ويوسع هامش الانفتاح في المجتمع الليبي المحافظ.

 طرابلس –  لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص في ليبيا اليوم. وفي هذا المشهد يتحول الحديث عن الأدب والفنون ضرباً من السخرية والعبث بالنسبة للكثيرين، لكنه المتنفس الوحيد للبعض الآخر الباحث عن طريقة للتعبير ونقل قصصهم إلى العالم عبر الفضاء الافتراضي.

وأسس عدد من الشباب الليبيين صفحات وقنوات ترفيهية على الشبكات الاجتماعية لا تعنى بالسياسة وكواليسها، وتطورت بعض الأفكار إلى شركات تكنولوجية، منها شركة “تيكنيون” لصناعة الألعاب الإلكترونية، التي وضعت ضمن أهدافها أن تكون رابطا وجسرا بين الثقافات من خلال الألعاب التي تصنعها مستمدة أفكار ألعابها من المجتمع الليبي.

وتأسست “تيكنيون” في ديسمبر 2017، وأول لعبة قامت الشركة بتصميمها هي “نايترو باص”، والفكرة عبارة عن سائق حافلة ليبي يخترق قانون السير وفي أثناء محاولته الهروب من الشرطة يواجه الكثير من التحديات والمغامرات.

وتم تسويق هذه اللعبة على منصة ليبيانا في مارس الماضي، وتم تحميلها أكثر من 10 آلاف مرة، ووصلت إلى دول أخرى مثل تونس والإمارات، ويحاول فريق العمل حاليا تسويق اللعبة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويقول مدير الشركة معاذ الزقوزي إن “اخترنا عالم صناعة الألعاب الإلكترونية لأنه في الثلاثة أعوام الأخيرة أصبح هذا المجال من أكثر المجالات ربحا في العالم وتتزايد أرباحه باستمرار كل عام ووصلت إلى 120 مليار دولار في عام 2018. كما شجعنا أيضا دخول دول عربية عديدة مجال صناعة الألعاب الإلكترونية كالأردن ومصر تونس والسعودية”.

استخدام اللهجة الليبية بدلاً من الفصحى من مبدأ أن هدف الصفحة هو استقطاب قاعدة شعبية بعيداً عن أي نخب

ونشطت أيضا العديد من القنوات على يوتيوب ولاقت شعبي

ة بين الليبيين بسبب الأفكار غير النمطية التي تطرحها، منه قناة “قطع غيار” التي تأسست مطلع عام 2017، من أجل المحافظة على الهوية والشخصية الليبية، وتحاول تغيير الأفكار السيئة بقطع غيار وأفكار جديدة أسسها الزوجان أماني القطراني وسراج العالم.

وتعترف القطراني أن من أكثر الصعوبات التي تواجهها هي كيفية إقناع الناس بأن ما يمارسونه من عادات سلوكية يومية قد تكون خاطئة ولكنهم يتمسكون بها بحجة أنها من عادات وتقاليد المجتمع.

وتضيف “مثلا أنا كفتاة في المجتمع ممنوع علي أن أضع صورتي الشخصية على بروفايل صفحتي في فيسبوك. ومع إنشاء قناة ‘قطع غيار’ وتنزيل فيديوهات بشكل يومي عن العادات السلبية في المجتمع على صفحتنا تعرضت لانتقادات لاذعة وكثيرة من الأقارب”.

ولا تتفق القطراني مع الرأي القائل بأن الفيديوهات باللهجة الليبية قد تحد من نسبة المشاهدة وتوضح “اللهجة الليبية ليست صعبة ويستطيع الجميع فهم الكلمات، وما شجعني على المواصلة أن هناك نسبة مشاهدات عالية جدا من السعودية والجزائر على يوتيوب”.

مبدأ قناة "الواو" هو  تجميع الليبيين بجميع اللهجات والاهتمامات والأيديولوجيات
مبدأ قناة "الواو" هو  تجميع الليبيين بجميع اللهجات والاهتمامات والأيديولوجيات

وتؤكد “عندما كانت بنغازي في حالة حرب كان لا بد من البحث عن الأمل. وأعطتنا الميديا الفرصة في البحث عن شيء جديد ومختلف”.

وعن اختيار يوتيوب كوسيلة لعرض أفكار القناة تقول “الفكرة جاءت بعد اهتمامي بمتابعة فيديوهات معينة على يوتيوب، وكانت السبب في تغيير بعض الأفكار تجاه موضوعات حياتية”.

من جهته، يؤمن فريق “قناة الواو” أن منصات التواصل الاجتماعي أعطت جزءا كبيرا من الشباب منبرا لأصواتهم وأفكارهم، لم توفره لهم وسائل الإعلام التقليدية.

و”قناة الواو” انطلقت في صيف 2018، بمبادرة شبابية ليبية في الشتات، ويبلغ عدد متابعيها ما يقارب 350 ألف متابع. وترتكز رؤية القناة على الالتزام بالمحتوى الترفيهي (في الأغلب) كمتنفس للجميع، وأن تكون منبرا وأداة في يد المواطن الليبي العادي لقول كلمته ومنصة تعليمية للمهارات الأساسية التي فشل النظام التعليمي في توفيرها.

وبحسب الفريق “نحن القناة الليبية الوحيدة التي تقف على الحياد وتهتم بالشباب بعيداً عن الانحياز السياسي بعد قيام العديد من القنوات الناجحة سابقا بتغيير اسمها وتوجهاتها إثر بداية الحرب”.

ويعود سبب تسمية القناة، إلى أن حرف الواو في اللغة العربية هو حرف عطف حيث يستخدم للجمع بين شيئين أو ثلاثة أو حتى مليون دون أي ترتيب أو تفضيل. وهذا هو مبدأ القناة، تجميع الليبيين في الداخل وفي الشتات بجميع اللهجات والاهتمامات والأيديولوجيات، وفق فريق العمل.

 ويقول القائمون على القناة “لاحظنا بمحض الصدفة أن إحدى أدوات التفاعل على منشورات فيسبوك هو (الواو) الذي يفيد الدهشة والإعجاب بما يقوله شخص ما، وهذا أملنا من متابعينا أن يعجبوا بمواد أقرانهم من مقدمي المحتوى على القناة. لاحقاً أصبح هذا الإيموجي، شعار الصفحة وعلى صورة الغلاف لفترة”.

ولم تكن الحرب الليبية لتؤثر على رغبة فريق “الواو” للتراجع بل كانت أهم محفز لديه للانطلاق والاستمرارية لقناعته بضرورة وجود متنفس ومهرب للشباب في أوقات الحرب، ليس فقط في ليبيا، بل في المنطقة ككل.

ويواجه فريق “الواو” مشكلة في تقبل الجمهور للمحتوى الترفيهي في ظل الحرب القائمة أولاً، وللهجات والأشكال المختلفة التي تظهر على الصفحة ثانياً. ولكنهم يرجعون ذلك إلى أن كل عمل ومبادرة في منطقة حرب كانت قد قبعت تحت ظل الدكتاتورية عقود من الزمن لا بد أن تواجه صعوبات عدة، حيث أن الشعب الليبي يزخر بالمهارات والإبداع والإمكانيات التي تم طمسها وكبتها.

قنوات على يوتيوب تعتني باهتمامات الليبيين من خلال مضمون يعكس هوية البلاد ويوحد المجتمع

وأتى قرار استخدام اللهجة الليبية بدلاً من الفصحى من مبدأ أن هدف الصفحة هو استقطاب قاعدة شعبية بعيداً عن أي نخب، ويقول أحد أعضاء الفريق “أردنا الصفحة أن تكون مجمّعة بعيداً عن عشقنا للغة العربية الأم. كما أنه من المهم أن ندرك أن هناك فجوة بين الناس والفصحى، إذ أصبحت تذكرهم بالأخبار والحروب والمانشيتات العسكرية، فتوقعنا أن يكون ذلك عقبة في طريق المحتوى الترفيهي الذي لا يتوافق مع بلاغة العربية”.

وتابع “لم يكن هدفنا منافسة المئات من الصفحات العربية الترفيهية الناجحة التي تستهدف جمهوراً عريضا. أردنا أن نتحدث لليبي العادي، بالإضافة إلى حبنا للهجة الليبية ونتمنى أن تصبح مفهومة في البلدان العربية الأخرى، فالليبي يتواصل ويفهم الكثير من لهجات المنطقة، وحان الوقت أن يبذل الآخرون القليل من المجهود لفهمه والتواصل معه”.

وفي مبادرة أخرى، أسس عدد من الشباب وهم أيوب بن سعد، وإبراهيم بن سعد، وهشام المبخوث، ومحمد مسعود، استديو “بنغازي بيكتشرز”، في عام 2014، وهدف العمل إلى خلق بيئة وشاشة سينمائية تعكس الهواية الليبية وتساهم في نشر الوعي للمجتمع.

وواجهت المجموعة عدة صعوبات منها عدم وجود بيئة مناسبة للعمل في السينما، ونقص المنتجين، وانعدام الثقافة السينمائية. واليوم تمكن هؤلاء الشباب من إنتاج فيلم وثائقي “اعطيني فرصة” الذي يتحدث عن أطفال التوحد.

18