"موبيليا" شارع المناصرة لم تعد تؤثث بيوت المصريين

في حي الدرب الأحمر بوسط القاهرة، يقع شارع “سكة المناصرة”، أقدم شارع لصناعة الأثاث وبيعه في القاهرة، وقد ظل قِبلة لكل مقبل على الزواج بمصر، لكن أحواله تغيّرت كثيرا بعد ضربات تلقاها الواحدة تلو الأخرى، بدءا من منافسة الأثاث الصيني رخيص السعر، مرورا بأزمة الدولار، وليس انتهاء بضريبة القيمة المضافة والأنباء عن قرب تعويم الجنيه.
السبت 2016/10/15
التجار باتوا يدخنون الأرجيلة في ظل غياب الزبائن

القاهرة – “عليك بالمناصرة”، عبارة طالما نصح بها القاهريون كل راغب في الزواج وتأثيث بيت الزوجية، إذ ظل الشارع العريق على مدى المئات من السنين يبيع الأثاث وقطع “الموبيليا”، بأسعار دنيا تناسب أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل من المصريين، واليوم يكاد الشارع يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ضغط الركود، وانصراف الشارين عنه.

زائر شارع “سكة المناصرة” لا شك أنه سوف يشتمّ فيه رائحة التاريخ، حيث ترجع تسميته “المناصرة” إلى المنصور أبي طاهر إسماعيل، والد المعز لدين الله الفاطمي أول الخلفاء الفاطميين بمصر، ويعود تاريخ الشارع إلى ما قبل 1044 سنة من الآن، ويحيط به نحو 65 مسجدا تاريخيا، يعبّر كلّ منها عن مرحلة من مراحل مصر الإسلامية المختلفة، خصوصا في العصرين الفاطمي والعثماني.

اليوم، يحبس أصحاب ورش صناعة الأثاث في “المناصرة” أنفاسهم، تخوفا من أنباء تعويم الجنيه، في ظل الركود الحاد بالمبيعات، في شارع طالما ظل مقصدا لكل مقبل على الزواج بمصر، قبل أن تتبدل أحواله إلى النقيض، بعدما باتت منتجاته الخشبية الفاخرة تنتظر مشتريا قد لا يأتي.

ظلت “سكة المناصرة”، تتوسع باستمرار مع انتعاش حركة المبيعات، حتى وصل عدد ورشها ومحلاتها إلى نحو الألف، لكنها بدأت تنزوي أمام المنافسة المحلية من منتجات مدن ومناطق مصرية أخرى، خصوصا مدينة دمياط (شمال القاهرة)، وكذلك المنافسة الخارجية من منتجات خشبية صينية رخيصة الثمن، فبات أصحاب الورش والمحال يخشون موت هذه السوق التاريخية، إذ لم يبع البعض منهم غرفة أثاث واحدة منذ قرابة الشهرين.

وفقا لأصحاب المعارض والورش، فإن تداعيات أزمة الدولار على المناصرة، كانت أسوأ بكثير من الانفلات الأمني، الذي أعقب أحداث 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، أو حتى عملية استهداف مديرية أمن القاهرة (الملاصقة له) بسيارة ملغومة في يناير 2014، والبعض منهم صار يترحم على ما قبل الربيع العربي، حينما كانت الطاقة الشرائية للمصريين أكبر، وكانوا يسعون باستمرار إلى تجديد أثاث منازلهم.

في انتظار زبائن وجدوا ضالتهم في المنتوجات الصينية الرخيصة

ركود لا مثيل له

يقول صلاح المرسي وهو من كبار تجار الأثاث بالمناصرة، لـ”العرب” إن يومه أصبح مكررا، إذ يفتح أبواب وكالته صباحا، ليدخن الأرجيلة على مدار اليوم، ثم يغلق مساء دون طائل أو بيع قطعة من الأثاث، إلا الجدال مع البعض من زائري السوق، حول ارتفاع الأسعار، في ظل حالة ركود حادة، لم ير مثيلا لها منذ بدئه في مهنته هذه قبل نصف قرن.

عانت صناعة الأثاث بالمناصرة كثيرا من التقلبات التي شهدها استيراد الخشب، ففي عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، تم قصر استيراد الأخشاب على الكتلة الشرقية، وفي عهد الرئيس الراحل أنور السادات حدثت أزمة عامي 1973 و1974، دفعت الكثير من التجار حينها إلى الإفلاس، ثم تم إنشاء شركة حكومية تحتكر استيراد الأخشاب في العام 1976، لكنها تعرضت للإفلاس، بسبب فتح الباب أمام رجال الأعمال للاستيراد، وعادت الشركة مرة أخرى في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، برأسمال 181.8 ألف دولار، لكنها لم تتحمل منافسة كبار المستوردين.

وأوضح المرسي أن الزبائن يأتون للفرجة فقط على البضائع المعروضة دون شراء، ويكتفون بالدخول في مناقشات حول دور الحكومة في الرفع من أعباء المعيشة، وفشلها في مواجهة الدولار، حتى باتت السوق التي كانت مكتظة في الماضي شبه خالية اليوم، ما أجبر الورش على الاستغناء عن العمالة، أو المناوبة بين العمال، ليعمل كل منهم ثلاثة أيام فقط، بدلا من ستة أيام.

لا حديث لتجار الأخشاب والمصنعين بالمناصرة حاليا، إلا عن الأوضاع الاقتصادية، وتعويم الجنيه المصري، الذي يقولون إنه سيكون الضربة القاضية لصناعتهم، خاصة أن السوق لم تتعاف من تأثيرات تطبيق ضريبة القيمة المضافة، التي رفعت أسعار الأخشاب والمنتج النهائي على حدّ سواء.

وأصبحت حالة التشاؤم أكثر تجليا لدى جيل الشباب بالمناصرة، وقال أحمد الشربيني، بائع بمعرض أثاث، إن الأسعار تزايدت ثلاث مرات خلال شهر سبتمبر الماضي، وانتهى فصل الصيف الذي يعوّل عليه في انتعاش حركة المبيعات، بحكم تزايد معدلات الزواج، دون ربح يذكر.

وقال محمد المصري، عامل بمعرض أثاث، إن تأثير الدولار على تجارتهم كان مباشرا، ويتمثل في ارتفاع تكاليف الصناعة، وغير مباشر، عبر تدني الطاقة الشرائية للمواطن بوجه عام، فالثلاثون ألف جنيه (نحو 2500 دولار)، كانت تكفي لشراء أثاث بيت كامل، باتت الآن لا تكفي إلا لشراء غرفة نوم فقط.

ورش أغلقت أبوابها

شهدت أسعار الأخشاب زيادة بحوالي 34 دولارا للمتر المكعب، بعد إقرار ضريبة القيمة المضافة، وبعد شهر واحد ارتفعت بنحو 78.8 دولار بسبب تغير سعر صرف الدولار، ليصل سعر المتر من خشب “الزان”، (الذي يستخدم بكثافة في صناعة الأثاث المصري، بحكم قدرته على تحمل أقصى درجات النحت والتشكيل)، إلى 619.3 دولار، مسجلا ارتفاعا بنسبة 6 بالمئة.

وأوضح شريف عبدالهادي، نائب رئيس المجلس التصديري للأثاث بمصر، أن الكثير من ورش المناصرة أغلقت أبوابها، في ظل حالة الركود التي يشهدها السوق، علاوة على ارتفاع تكلفة التصنيع بسبب الارتفاع الشديد في سعر صرف الدولار.

وكانت الحكومة المصرية قد بدأت في تطبيق القيمة المضافة، (وهي ضريبة مركبة تفرض على الفرق بين سعر التكلفة وسعر البيع للسلع المحلية والمستوردة)، بنسبة 13 بالمئة، لتوفير حصيلة 2.25 مليار دولار خلال العام المالي الحالي.

ترجع تسمية "المناصرة" إلى المنصور أبي طاهر إسماعيل، والد المعز لدين الله الفاطمي أول الخلفاء الفاطميين بمصر، ويعود تاريخ الشارع إلى ما قبل 1044 سنة

وأضاف لـ”العرب”، أن حركة المبيعات انخفضت بالسوق بنسبة 75 بالمئة، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون بمصر، وارتفاع معدلات التضخم، والمنتج الصيني هو المستفيد الأول، في ظل تزايد الإقبال عليه، وانخفاض سعره كثيرا عن المحلي، رغم أنه يتسم بالقوة والمتانة والأصالة.

وتعود صناعة الأخشاب بمصر إلى عهد المصريين القدامى، الذين احترفوا مهنة صناعة الأثاث، وجسدوها على جدران المعابد والقصور، خصوصا سرير الملك توت عنخ آمون المصنوع من الأبنوس، بل وصلوا إلى اختراع سرير قابل للطي خاص بالرحلات، كما أن النقوش المستخدمة في البعض من الورش المصرية، لا تزال حتى اليوم معتمدة على البعض من الرموز الفرعونية، وكذلك التصاميم الإسلامية، التي تعتمد على زخارف الخط العربي.

وأشار عبدالهادي إلى أن تعويم الجنيه المتوقع، إذا لم تصاحبه إجراءات حمائية للمنتجات المحلية، ستكون نهاية لصناعة الأثاث، ليس بالمناصرة فقط، لكن في مصر كلها، ولفت إلى التناقض الواضح بين الواقع الذي تعيشه صناعة الأخشاب الكثيفة العمالة، وحديث الحكومة المتواصل عن خطة لزيادة صادرات الأثاث المصنع.

وأعلنت الحكومة المصرية عن استراتيجية جديدة لتنمية قطاع الأثاث حتى العام 2020، تركز على مضاعفة حجم صادرات القطاع إلى 750 مليون دولار سنويا، إلى جانب جذب المزيد من الاستثمارات الخاصة بالصناعات المغذية، مع تشجيع صغار المنتجين على الانضمام إلى القطاع الرسمي، والاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة.

مليون عامل

تضم صناعة الأثاث نحو مليون عامل بمصر، يعملون في 870 مصنعا و40 ألف ورشة، معظمها بمنطقة المناصرة ومدينة دمياط، الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب الآلاف من العمال الآخرين الذين يعملون في مهن مرتبطة بها، من ورق وبلاستيك التغليف، وأعمال النقل والشحن.

وتشير إحصاءات رسمية إلى أن واردات مصر من الأخشاب شهدت انخفاضا مطردا منذ ثورة 25 يناير، جرّاء النقص في العملة الصعبة، الذي حال دون فتح المستوردين اعتمادات مستندية، لجلب الأخشاب من الخارج، علاوة على حالة الركود التي دفعت الورش إلى التوقف عن الإنتاج، والاعتماد فقط على تصنيع ما يطلبه الزبائن.

بأي حال أصبحت يا سوق؟

وأكد مصطفى شعبان، عضو غرفة صناعة الأخشاب باتحاد الصناعات المصرية لـ”العرب”، أن الدولار يؤثر على كل مدخلات الصناعة، حيث أن 70 بالمئة من المواد الخام واردة من الخارج، وتعتمد الـ30 بالمئة المتبقية على مواد خام أجنبية يتم تصنيعها بمصر، علاوة على زيادة أسعار الكهرباء، إلى جانب ارتفاع تكلفة النقل، فنتجت عن ذلك كله زيادة أسعار الأثاث المصري بنسبة 50 بالمئة.

ولا يوجد إنتاج محلي للأخشاب بمصر إلا الخشب “الحُبيْبي” الذي تنتجه شركة السكر والصناعات التكاملية المصرية، عبر ضغط مخلفات صناعة قصب السكر، إلى جانب البعض من الأنواع المحلية التي يصعب تشكيلها كأثاث، ويتم استخدامها في صناعة الفحم النباتي.

وألمح شعبان إلى أن فرض رسم حماية على المنتجات الخشبية المستوردة من الصين وتركيا بات ضروريا، للإبقاء على تلك الصناعة التاريخية، حتى لا تلقى مصير صناعة الغزل والنسيج، مع فتح معارض تساعد المنتجات المصرية على المنافسة بالخارج، إلى جانب إعفاء الأخشاب من الضرائب، باعتبارها مستلزمات إنتاج مهمة وضرورية للمستهلك، ولا يوجد لها

بديل محلي، مشددا على أن تلك المطالب تتسق مع استراتيجية مصر لتنمية صادرات الأثاث.

وقالت وزارة التجارة والصناعة في مصر إن الذوق والتصميم يعدان جزءا من عوائق صادرات الأثاث في مصر بوجه عام، إلا أن أصحاب الورش أكدوا أن المنتج المصري متميز وفاخر، لكنه يحتاج إلى ترويجه خارجيا، وحمايته من المنافسة غير العادلة، وأن تكون له الأولوية في تأثيث المباني الحكومية الجديدة والمدارس، والتي تعتمد حاليا على المنتجات المستوردة.

أصبحت أزمات المناصرة، تهدد وجودها التاريخي، خصوصا مع وجود خطط حكومية لنقل 15 ورشة وألفي محلّ منها إلى مُجمّع ورش الأخشاب بالقطامية غربي القاهرة، وفقا لخطة أعدتها محافظة القاهرة منذ يونيو 2015 للحفاظ على القاهرة الفاطمية، الأمر الذي يلقى معارضة عنيفة من الأهالي والتجار، الذين اعتادوا العيش وسط معدات النجارة في قلب القاهرة، منذ نعومة أظافرهم.

20