موت البطل الآتي من السينما إلى الرواية

الرواية العربية التابعة للمعطيات السردية العالمية وقعت في فخ البطل الواحد في نشأتها الأولى، ولم تشهد تحولاتها إلا بأوقات متباعدة.
الاثنين 2020/03/02
انتهى دور البطل (لوحة للفنان سنان حسين)

تطورت آليات النقد بتطور منهجياته الجمالية. وما عادت السرديات العالمية بمنأى عن نظريات السرد المستحدثة التي يقودها علماء النقد ومنظّرو الحداثة النقدية في العالم. وبالتالي فقد تغيرت مفاهيم كثيرة في بنية الكتابة، وما عادت السرديات الروائية مثلا مشروطة بالقديم من الأفكار والثوابت النقدية المتعارف عليها، بل توجهت إلى الشكل السردي أكثر مما اتجهت إلى بنى المضامين والموضوعات، باعتبار أن المضامين تتكرر، وأن الحياة مجموعة موضوعات ربما تكون متشابهة في أحيان كثيرة، بينما يكون الشكل الجمالي أكثر قدرة على الابتكار والتجديد والجذب بما يتيح للقارئ أن يشارك كفاعل سردي هو أيضا.

وهذا ما غيّر الكثير من مفاهيم الكتابة القديمة، تماشيا مع متطلبات الإبداع وصيرورته، ومن ثم تجدد السرد وتجدد شكله إلى السرد المعرفي والرواية المعرفية القادرة على احتواء الكثير من الواقع والخيال معا. فتبعتها نظريات القراءة التي أولت القارئ اهتمامها الكبير، بما يشي بأن النص الجديد هو القادر على معالجة النقد وابتكار منظّريه ونقّاده.

في السرديات التقليدية يبحث القارئ عن “البطل” المحوري الذي تدور حوله الثيمات الاجتماعية أو السياسية. وكان النقد التقليدي هو أيضا يضع يده على مثل هذا “البطل” التقليدي الذي عادة ما يكون صوته هو المهيمن الأكبر. أو صوت الراوي الذي يحرّكه يمينا وشمالا بحسب مقتضيات الحبكة السردية وصولا إلى النهاية.

وبقي النقد المدرسي إلى وقت طويل ما يشبه المُوَجّه لهذا النوع الكتابي في الرواية بوصفه تقليدا قارّا وركنا أساسيا في العمل الروائي، بما يمكن أن نصفه بالدبلوماسية النقدية التي مارست حضورها الكامل لفترات طويلة جدا في السرديات العالمية والعربية. حتى أن فكرة “البطل” جثمت كمهيمنة لا بد منها في الكتابات الروائية. والأمثلة وفيرة جدا في الآداب العالمية والعربية بوجود البطل الواحد الذي تدور حوله الأحداث في كلاسيكيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الثانية. وهذا البطل هو السمة المميزة لكلاسيكيات السرد الروائي العالمي والعربي.

ونرى مع هذه الموضوعة الواضحة أن فكرة “البطل” ربما جاءت من السينما على أكثر تقدير. فالبطل السينمائي استحوذ على الجمهور الذي كان يبحث عن ثيمة واحدة في شخصية البطل الأخير. ولعل الرواية استفادت من هذه الفكرة الشائعة، وقد تكون السينما كرّست مثل هذا التشبيه في البند الروائي إلى وقت طويل، حتى تغيرت المفاهيم النقدية في السينما والرواية.

ومن ثم صار العزوف عن هذا التشبيه أمرا ضروريا لتطور الأشكال السردية والسينمائية، وما عادت فكرة البطل مهمة بقدر أهمية الشكل السينمائي – الروائي الذي نادت به بنيويات النقد الحديث، عندما خرجت عن إطار الأشكال القديمة الثابتة ووطدت صلتها بالشكل المنجز للسرديات الجديدة التي غامرت بإقصاء البطل، مستعيضة عنه بما يمكن أن نسميه بـ”الشخصيات السردية” بديلا عن فكرة “البطولة” السينمائية التي جعلت من الأبطال السرديين يتشابهون في فضاءاتهم الاجتماعية أو السياسية، ويتشابهون في المعطى الأخير كونهم يمثلون وجهة نظر المؤلف الذي لم يستطع أن يخرج عن مثل هذا النظام الكلاسيكي إلا في ما ندر. وهو النظام الذي يحافظ على مركزية البطل في توقيتات معينة وفواصل يختارها المؤلف بعناية.

وهذا يعني أن فخ البطولة ألزم الكاتب أن يكون على هذه المعيارية الفنية، من دون تقديم بدائل شخصية أخرى تعاضد النص وتقترح له جماليات أخرى، بعيدا عن الفضاء الواحد والمركزية الصارمة التي تقلّص من حجم جماليات النص بطبيعة الحال.

الرواية العربية التابعة للمعطيات السردية العالمية وقعت في فخ البطل الواحد في نشأتها الأولى، ولم تشهد تحولاتها إلا بأوقات متباعدة، وهي تحولات فرضتها طبيعة المجتمعات العربية وتأثير السياسة والحروب عليها، بما جعلها تستعين بشخصيات ثانوية متعاضدة مع البطل – الفرد للخروج من هذه الأزمة الفردية، تحقيقا لشمولية الكتابة وهي تستخرج نظامها الجمالي من عدد من الشخصيات الثانوية المتكافئة، لتكون عوامل مساعدة في بنية النص ونموه ومن ثم تحقيق جمالياته المتعددة في اللغة والشكل السردي ورؤية الواقع بخبرة فنية وجمالية. ونلحظ هذا عند نجيب محفوظ قائد النبرة الجمالية في الرواية العربية رؤيا ولغة وخيالا سرديا ملحميا جماعيا لاستبدال صيغة الفرد بالجماعة في نظام سردي أكثر شمولية، مع أن محفوظ كان أمينا على كلاسيكية السرد الروائي وبنيته الفنية. غير أنه استوعب مبكرا الدرس الجمالي في رواياته الكثيرة وكانت خبرته الروائية الطويلة عاملا مهما في استنباط “الشخصية” بدلا من “البطل” السينمائي الذي طارده في تحويل رواياته إلى السينما.

لذلك رأى النقد الجديد في نظرياته الكثيرة أن إيجاد الشخصية أو السارد بمستوياته الفنية المتعددة وبشكل جديد مهيمن أكثر ضمانا للرواية وجمالياتها، بعيدا عن سلطة البطل الذي عادة ما يكون معروفا في سيرته السردية سواء كان بطلا سلبيا أم إيجابيا، أيديولوجيا أم أخلاقيا. وهذه نظريات معقولة عندما جعلت السرد حاضنة لكل جماليات الفنون في وعاء واحد. وبالتالي أوجدت فضاءات مفتوحة للسرود التي تجعل من شخصياتها ذات أدوار متضامنة لتسيير العمل الإبداعي إلى نهاياته المفتوحة.

الممارسة النقدية الحديثة ونظرياتها الكثيرة تميل إلى النقد النوعي والقراءة الجمالية. وهي تنظر إلى الشكل الإبداعي من دون النظر الجاهز إلى المحتوى كثيرا. بمعنى أن إدارة النقد يفرضها النص أولا وأخيرا في شكله الإبداعي، وأن مفهوم البطل قد تحول إلى النص بشخصياته الجمالية. وليس شرطا أن تكون مثل هذه الشخصيات بشرية وإنسانية. ولعل المكان هو الشخصية المناسبة لهذه الرواية أو تلك. وربما يكون الزمن وفضاؤه الأثير هو الذي يشكل عدّة الروائي. وربما أنسنة الموجودات في الطبيعة هي الأكثر إثارة في ترتيب النص السردي الجديد. ومن هذا الشكل الجديد بموسوعته المعرفية استخلص النقد أفكارا أكثر جمالية وإبداعا بعد موت البطل.

15