موت الجغرافيا: الثقافة في زمن عربي عاصف

الأحد 2014/08/03
الغرب لم يكن معنيا بنهوض العرب وتطورهم

الثقافة في عصر العوالم الثلاثة التي تكونت بعد الحرب الكونية الثانية، كانت تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الثقافة الماركسية التي كان مركزها الاتحاد السوفيتي السابق، والثقافة الرأسمالية الليبرالية بنسختها الأميركية والغربية، والقسم الثالث هو الثقافات الوطنية الخاصة بمنظومة دول العالم الثالث، الذي تبلورت ملامحه بعد انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1956 وتشكل مجموعة دول عدم الانحياز على إثر ذلك.

الثقافة في العالمين الأوليين السوفيتي والغربي كانت تعكس واقع الصراع، الذي كان يتخذ طابع الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بينما كان العالم الثالث يشكل ساحة تجاذباتهما وصراع مصالحهما، وبالتالي كان من الطبيعي أن يشهد حالة من التجاذبات الثقافية، بعد أن شكلت الثقافة إحدى وسائل الاستقطاب في هذا الصراع بين هذين القطبين العالميين.

مع نهاية العقد الثامن من القرن الماضي، شكل سقوط الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية، بداية النهاية للثقافة الشيوعية، التي اعتبرت الثقافة مجرد بناء فوقي خاضع لطبيعة البنية التحتية (الاقتصاد)، في حين ساهم ذلك في تعزيز موقع الثقافة الليبرالية الغربية بنسختها الأميركية على وجه الخصوص، لاسيما مع ظهور نظام القطب الواحد الذي أصبحت تتربع على قمته الولايات المتحدة، وبعد التطور المذهل الذي شهدته وسائل الاتصال والميديا في العقدين الأخيرين.

هذا الواقع الجديد زاد من تعقيد المشهد الثقافي في العالم الثالث، ومن مستوى التحديات التي بات يواجهها، بعد أن ضاقت الخيارات أمامه، وباتت العولمة وثقافة الاستهلاك ووسائل التواصل الاجتماعية العابرة للجغرافيا تهدد الهوية الوطنية للثقافة، لذلك كان لا بد من البحث عن أكثر الوسائل الناجعة للتفاعل معها بصورة إيجابية، حيث تسمح بالاستفادة من وسائل هذا التطور بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية لتحقيق التنمية الثقافية، وتعزيز دورها في مختلف مناحي الحياة، إلا أن الصعوبات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجهها هذه البلدان، جعلتها عاجزة عن صياغة استراتيجيات جديدة للعمل الثقافي نتيجة لضعف الخبرة وقلة الكوادر والإمكانات المادية.


فضاء مفتوح


ما ضاعف من هذه المشكلة هو قوة التدفق الإعلامي والأفكار والصور والمعتقدات في هذا الفضاء المفتوح، الذي غدا يسم الجغرافيا الكونية، في وقت تزايدت فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن التباين الاقتصادي بين دول الشمال ودول الجنوب.

هذا الواقع جعل السمة الأبرز لثقافة العالم الثالث، رغم انفتاح الكثير من بلدانه بعد سقوط المنظومة الشيوعية على نظام اقتصاد السوق، هي سيادة ثقافة الهجانة، التي هي خليط من الثقافة الوطنية، العائدة لمرحلة العوالم الثلاثة، وثقافة العولمة، التي باتت تتدفق مع تدفق السلع وأنماط الحياة والثقافة الجديدتين، التي أخذت ترافقها، لأن الاستهلاك ليس مجر بضائع ومنتجات وحسب، بل هو يحمل معه أنماط سلوك ومعتقدات وثقافة تتناسب مع هذا التحول، الذي غدت الولايات المتحدة الأميركية بصورة خاصة والغرب بصورة عامة تمثل مركزه.


الاستبداد السياسي


العالم العربي الذي هو جزء أساس من منظومة العالم الثالث، لم يكن حال الثقافة فيه يختلف عنه في البلدان الأخرى التي تنتمي إلى هذه المنظومة، لكن ما زاد من تعقيدات هذا المشهد وأزماته، أن قوى الاستبداد السياسي المهيمنة على السلطة في تلك البلدان، ظلت لا تمتلك أدنى رؤية ثقافية للعبور نحو الاندماج مع قيم الثقافة المعاصرة والعولمة، في حين ظلت النخب الثقافية إما مقصيّة عن الحياة الثقافية، أو هي جزء من مؤسسات ثقافة السلطة وأيديولوجيات أحزابها، من دون أن تستطيع التحرر من ثقافة عصر العوالم الثلاثة، التي كانت سائدة قبل زمن العولمة، أو هي خاضعة لتأثيرات ثقافة العولمة والأفكار الليبرالية، ما جعل الاستقطاب الثقافي هو السمة السائدة في هذا المشهد الثقافي العربي الملتبس.

الأنظمة الأيديولوجية القومية العربية ذات التوجه الاشتراكي أرادت أن تردم الفجوة الحضارية بما سمته 'سياسة حرق المراحل'، لكنها لم تحرق سوى مجتمعاتها

المصالحة التي حاولت القوى السياسية المتسيّدة أن تقيمها بين الحداثة والتراث، وبين الوطني والكوني، والدين والعلم، والدين والسياسة، لم تستطع أن تردم تلك الفجوة الثقافية بين العالمين، ولا أن تبلور هوية ثقافية وطنية جامعة بديلة، ذات سمات عصرية ناجزة، نظرا لطبيعة بنية السلطة الحاكمة، والتداخل القائم في المجتمع بين قوى متباينة طبقيا واجتماعيا وثقافيا.


هم ونحن


البرجوازية الغربية التي قادت عملية التحول التاريخي والاجتماعي في الغرب، أنتجت فلسفتها التي أسست لمنظومة مفاهيمها وقيمها الجديدة في الحياة والمجتمع، وفي مقدمتها قيم الحرية والفردانية والعقل والحداثة. النظام السياسي في البلدان العربية الخارجة من عصر الاستعمار، كان متباينا في طبيعته وتوجهاته. الأنظمة الأيديولوجية القومية ذات التوجه الاشتراكي أرادت أن تردم تلك الفجوة الحضارية والثقافية، من خلال ما سمَّته بسياسة حرق المراحل، لكنها لم تحرق سوى مجتمعاتها، بسبب طبيعة الوعي السياسي المراهق وانعدام الخبرة، والشروط الموضوعية والمادية لذلك، إضافة إلى سياسة التلفيق التي كانت تقوم عليها عقيدتها القومية، وسلطتها الاستبدادية، التي لا يمكن للحداثة التي ولدت في مناخ الحرية والعقلانية، أن تتحقق على يديها، نتيجة التعارض بين وعيها السياسي ما قبل الحداثي والحداثة.

كذلك كانت الثقافة الجماهيرية التي كرّستها، هي نموذج لثقافة الحزب الواحد والأيديولوجيا الحاكمة، التي يجري تطييفها مجتمعيا، وليست الثقافة التي تعبر عن اختيارات المجتمع، وتطلعات قواه الاجتماعية والثقافية التي كانت مغيبة ومقموعة. لذلك لم تستطع تلك الثقافة أن تصمد طويلا، أو أن تحقق شيئا من أهدافها.

الأنظمة الأخرى كانت خليطا آخر من الليبرالية والقبلية، لكنها ظلت جميعا تشترك مع الأنظمة السابقة في سمات واحدة، هي الاستبداد وغياب الحريات، والتعامل مع الحداثة بانتقائية عجيبة في كثير من الأحيان، في محاولة لخلق نوع من زواج الإكراه بين الحداثة، وبين بنيتها الريفية أو القبلية.

احتكار الدولة لمؤسسات العمل الثقافي وهيمنتها عليها، ساهم في تكريس ثقافة السلطة أو الحزب الواحد، ما ألغى أي وجود لثقافة المجتمع المعبرة عن قوى المجتمع المدني بأطيافها المختلفة.

لذلك أصبحت الثقافة في خدمة السياسة وضحيتها، عندما تحولت وظيفتها إلى تزيين سلطة الاستبداد والفساد وتمجيد الحاكم، على خلاف ما يجب أن تكون عليه من تعبير عن القيم الروحية والجمالية والفكرية للمجتمع وعلاقته الحية بالعصر. لم تخرج الثقافة العربية من عباءة السلطان أو الأيديولوجيا في عالم متغير، ما جعلها تخسر وظيفتها التنويرية، لتربح رضا السلطان أو الحزب، الأمر الذي جعلها تفتقد فاعليتها الاجتماعية، وقدرتها على التجدد والتطور والإبداع، ومواكبة التحولات السريعة التي تعيشها الثقافة الإنسانية في عالم اليوم.

نظام الاستبداد العربي يعرف جيدا ماذا يريد منه الغرب، فيعمل على تحقيقه، مقابل إطلاق يده داخليا وبقائه في السلطة


نحن وهم


مسؤولية الاستبداد السياسي عن أزمة الثقافة والحداثة، لا تعفي من الحديث عن مسؤولية الغرب عنها، فقد كان بإمكانه أن يدعم قوى التنوير والتحديث في المجتمع العربي، عندما كانت هناك في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مجموعات من النخب الثقافية والسياسية العربية المؤمنة بالتنوير والحداثة، تمثلت في مجموعة من المثقفين والسياسيين العرب، الذين كانوا يعيشون في الغرب، أو اطلعوا على حضارته خلال زياراتهم أو تعلمهم في مراكز حضارته، وقد تأثروا كثيرا بالتطور والتقدم الذي شاهدوه هناك، وحاولوا الاستفادة من تجربته في تطوير مجتمعاتهم.

الحكومات الاستعمارية في الغرب لم تحاول بعد هزيمة الدولة العثمانية، أن تترك لهذه النخب فرصة قيادة مشروع التنوير والتحديث في مجتمعاتها، لأن ذلك سيفقدها الذرائع التي استخدمتها لاحتلال هذه البلاد تحت شعار الإعمار والتحديث.

الغرب لم يكن معنيا بنهوض العرب وتطورهم، بل كان يعمل على العكس من ذلك على خلق عوامل التفرقة والضعف والصراع داخليا وتكريسها، أو بين الكيانات التي أنشأها، أو بينها وبين الدول المجاورة.

مشكلة الحدود التي لا تكاد تنجو منها دولة عربية واحدة هي مثال على ذلك. هم من رسموا هذه الحدود، التي أرادوا لها أن تظل بؤرة صراع قابلة للانفجار. لم تقم أية حركة انقلابية أو تغيير في نظام الحكم خلال عشرات العقود الماضية، إلا بتواطؤ ودعم غربيين وأحيانا سوفيتي.

لذلك كان نظام الاستبداد العربي يعرف جيدا ماذا يريد منه الغرب، فيعمل على تحقيقه، مقابل إطلاق يده داخليا وبقائه في السلطة. موقف الغرب الراهن من الثورات العربية لا يختلف عمّا مضى، ولن يختلف، ولعل الثورة السورية هي أكثر الثورات، التي عرَّت أكاذيبهم عن نشر الحرية والديمقراطية والحداثة في العالم.


سؤال الراهن


سؤال اللحظة الراهنة الأكثر إلحاحا ثقافيا بعد ربع قرن على ظهور العولمة، التي أعلنت موت الجغرافيا، هو كيف يمكن لنا أن نواجه هذا الواقع الجديد، الذي من الاستحالة وقف تأثيره وانعكاساته الواسعة على ثقافتنا وهويتنا الوطنية، في وقت أصبحت فيه الثقافة وسيلة هامة من الوسائل الأساسية، التي تبنى من خلالها الهوية، التي تمنح الناس في مجتمع ما إحساسا بالجماعة والانتماء.

الحاجة إلى إجابات علمية وعملية باتت ملحة جدا، في وقت تحتدم فيه المواجهة، بين تيارات الإسلام الجهادي والسلفي، التي تريد العودة بالمجتمعات العربية والإسلامية إلى الماضي السحيق، قافزة فوق أكثر من ألف عام من التطور التاريخي والحضاري الإنساني، وبين قوى الاعتدال والتنوير والحداثة في المجتمع من جهة، وبينها وبين العالم الغربي من جهة أخرى.

موقف الغرب الراهن من الثورات العربية لا يختلف عما مضى، ولن يختلف، ولعل الثورة السورية هي أكثر الثورات، التي عرَّت الأكاذيب الغربية عن نشر الحرية والديمقراطية والحداثة

لقد لعبت العولمة بعصفها الذي أسقطت معه مفهوم الجغرافيا والخصوصيات الثقافية دورا كبيرا على هذا الصعيد، بما تولّد عنها من صدمة حضارية عنيفة، وشعور حاد بالضعف والاستلاب والهزيمة، انعكس على شكل ردة فعل عنيفة تجاه الداخل، دولا وشعوبا، باعتبارها المسؤولة، من وجهة نظر هذه التنظيمات المتطرفة عن هذا الاستسلام والضعف، نتيجة لتخليها عن قيم الإسلام الأصيلة كما تفهمها هي، وخضوعها لـ”الغرب الكافر” المسؤول عن إخضاع مجتمعاتنا لثقافته وسيطرته بهدف القضاء على الهوية الإسلامية، إن لم يكن القضاء على الإسلام نفسه، ما استوجب من هذه التنظيمات إعلان الجهاد، بعد أن وفرت الثروة النفطية لقادتها تراكما لرأس المال، بينما ساهم الدعم الغربي والسعودي لها أثناء محاربتها للسوفييت في أفغانستان وهزيمتها له الخبرة والسلاح والكوادر البشرية المدربة، وأعطاها الثقة بقدرتها على هزيمة هذه القوى العالمية. لكن المفارق والعجيب في سلوك هذه التنظيمات، أنها بينما تستخدم بنجاعة كبيرة أجهزة التواصل الحديثة للغرب الكافر، فإنها تمارس سلوك البرابرة من قطع الرؤوس بالسيف والرجم وصولا إلى الصلب تحت ستار استعادة الخلافة المزعومة.

11