موت الديمقراطية في تركيا ليس وليد اليوم

إذا كانت الديمقراطية هي “تسليم السلطة عند خسارة الانتخابات”، فإن هذا المعيار شديد البساطة لم يُطبق في السابع من يونيو من العام 2015. وللمرة الأولى، رفض النظام نتائج التصويت الشعبي، الذي يشكل الركيزة الأساسية لشرعيته.
الأربعاء 2019/04/24
زعم أكرم إمام أوغلو ببدء عهد جديد في إسطنبول لا أساس له

بغض النظر عن النتائج في إسطنبول، يرى الكثيرون أن الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس الماضي كانت بمثابة نقطة تحول لتركيا. فلنلق نظرة فاحصة على تلك الانتخابات.

بادئ ذي بدء، جددت الكتلة المعارضة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والنظام في تركيا، والتي يصل حجمها إلى نصف المجتمع، إيمانها بأنه يمكن تغيير النظام عبر الانتخابات. وسواء كانت هناك انتخابات مبكرة ستجرى في المستقبل القريب أم لا، فينبغي الحفاظ على دينامية الحادي والثلاثين من مارس التي أُطلقت في الانتخابات المحلية.

ولكن هل يمكن للمعارضة أن تحول هذه الدينامية إلى سياسة بديلة دون أن تفتح ذراعيها للأكراد أو تغير مفهومها للنظام؟

بالطبع لا. ذلك أن من المستبعد أن تجتمع سائر أطياف المعارضة مع ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي في منصة سياسية واحدة. إنه طريق ذو اتجاه واحد فحسب، يقدم فيه حزب الشعوب الديمقراطي يد العون للآخرين، وتلك خطوة تكتيكية في المقام الأول. أما النظام فهو نظام شمولي، وحزب الشعوب الديمقراطي هو الحزب الوحيد الذي يفهم هذه النقطة ويعرب عنها.

في هذا السياق، دعونا نناقش ما لم تدركه أحزاب المعارضة الأخرى من نتيجة الانتخابات المحلية. فكما أظهرت جميع استطلاعات الرأي الجدية، فاز أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري، بمنصب رئيس بلدية إسطنبول بفضل أصوات ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي. وهذا هو الحال أيضا في كل من أضنة وأنقرة وأنطاليا ومرسين. ورغم ذلك، ما من شيء يشير إلى أن المعارضة “الوطنية” استوعبت تلك الحقيقة. فحزب الشعوب الديمقراطي قد تُرك لحاله وحيدا في المدن التي يقطنها الأكراد، وخمسون من بين رؤساء البلديات السبعين المنتخبين منه لا يزالون ينتظرون شهادات انتخابهم من المجلس الأعلى للانتخابات لتولي مناصبهم رسميا.

لم ترفع أحزاب المعارضة الأخرى صوتا واحدا بشأن شهادات الفوز في الانتخابات التي حُرم منها رؤساء البلديات المنتمون لحزب الشعوب الديمقراطي، ولا بخصوص قرار المجلس الأعلى للانتخابات الذي يقضي بأن رؤساء البلديات الذين سبق فصلهم من وظائف في القطاع العام ليسوا مؤهلين لاستلام مناصبهم، ولا حيال رفض المجالس الانتخابية المحلية طعون حزب الشعوب الديمقراطي على مخالفات واضحة، في حين أن حزب الشعب الجمهوري يثير ضجة كبيرة في إسطنبول بسبب تلكؤ المجلس الأعلى للانتخابات في إصدار شهادة الفوز في الانتخابات لرئيس البلدية المنتخب. أكررها مرة أخرى، لم يُرفع صوت واحد.

هل هذا أمر مفاجئ؟ لا ليس مفاجئا بالمرة. فقد حُرم حزب الشعوب الديمقراطي من صفة المعارضة السياسية الرسمية في تركيا. وتلك المعارضة الوطنية لا تختلف عن الحكومة، التي تعاملت بوضوح مع ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي قبل الانتخابات على أنهم “أجانب” و”غير مواطنين”. أول من ينبغي لهم أن يفكروا في هذا الأمر هم صناع السياسات في حزب الشعوب الديمقراطي. فمع الأسف لا تؤثر الأصوات التي يجري الإدلاء بها لأهداف تكتيكية إلا على نتائج الانتخابات في تركيا، لا على التحالف السياسي خارج هذا النطاق. لا يعني هذا أن التحالف التكتيكي ليس مهما، لكنه لا يمثل نجاحا لسياسة حزب الشعوب الديمقراطي الذي يفتح ذراعيه لتركيا بأسرها.

والجدير بالذكر أن الحكومة المركزية تتمتع بسلطات تمكنها من بسط نفوذها الإداري والمالي والقانوني على البلديات التي تفوز بها المعارضة الوطنية.

على الجانب الآخر، تجاوز وضع أكرم إمام أوغلو مستوى الحكومات المحلية، وبرز فجأة بوصفه زعيما جديدا للمعارضة في تركيا. غير أن هذا الوضع لن يدوم طويلا، بالنظر إلى حدود سلطات رئيس البلدية وحزبه والنظام السياسي ككل. وفي اللحظة التي حصل فيها إمام أوغلو على شهادة الفوز في الانتخابات التي تمكنه من تولي منصب رئيس البلدية رسميا، وجد نفسه تحت الوصاية المالية والإدارية بالإضافة إلى الضغوط القضائية. لذلك فإن زعمه ببدء عهد جديد في إسطنبول لا أساس له.

وماذا عن قادة الرأي التابعين للحكومة والمعارضة المتحمسين لإعادة اختراع الديمقراطية من نتائج انتخابات الحادي والثلاثين من مارس؟

التف أبناء المعسكرين المتنافسين دون قصد، حول موقف مشترك تجاه هذه المسألة. ففي حين يقول معلقو الحكومة إن مجرد وجود الانتخابات يشير إلى وجود الديمقراطية التمثيلية، روج المعارضون “الوطنيون” للنتائج بنشر خرافة تقول إن هذه الانتخابات “برهنت على متانة الديمقراطية التركية”. هذا النوع من الهراء يُقال في وقت أصبحت فيه البلاد مكبا لدفن سيادة القانون والعدالة وتحولت إلى إمبراطورية للشر.

ويقول جناح آخر من أجنحة المعارضة “الوطنية” إنه في ظل انتظار النتيجة النهائية لرئاسة بلدية إسطنبول، تأرجحت الانتخابات بين الشرعية واللاشرعية، ووقفت تركيا عند مفترق طرق بين الديمقراطية والسلطوية.

لم يرغب أي من هؤلاء المعلقين أن يرى أن النظام قد قضى على شرعية نتيجة الانتخابات في السابع من يونيو عام 2015، حين فقد حزب العدالة والتنمية الحاكم أغلبيته في الانتخابات البرلمانية ودعا إلى انتخابات مبكرة. ومنذ ذلك الحين، لا تحمل الانتخابات صبغة الشرعية إلا إذا فاز فيها النظام. وقد كتبت في شهر يوليو من العام 2015 عن أردوغان، وقلت “التنظيم الخاضع لتصرفه (حزب العدالة والتنمية) مستعد لخوض أي مساع، بما في ذلك الحرب، حتى يفوزوا في الانتخابات وحدهم، وبالتالي سيحرقون ويدمرون كل شيء إلى حين أن يتم تأسيس حكومة تجعله خالدا محصنا”.

إذا كانت الديمقراطية هي “تسليم السلطة عند خسارة الانتخابات”، فإن هذا المعيار شديد البساطة لم يُطبق في 7 يونيو عام 2015. وللمرة الأولى، رفض النظام نتائج التصويت الشعبي الذي يشكل الركيزة الأساسية لشرعيته. هذا ما وصلت إليه المعايير الديمقراطية التركية، ولا تستقيم الكتابة عن أن البلاد تمر بمنعطف دقيق للديمقراطية، بينما هي في الواقع تندفع بأقصى سرعة نحو جدار قائم في نهاية طريق أحادي الاتجاه.

لا يمكن تفسير مثل هذه التعليقات على أنها مجرد أوهام. فاعتبار 31 مارس موعدا لبدء سجال الشرعية لا يعني قبول شرعية جميع الانتخابات التي أجريت منذ 7 يونيو 2015 فحسب، بل كذلك إضفاء الشرعية على النظام الذي أُقيم بعد تلك الانتخابات.

إن حزب المعارضة الرئيسي، الذي يتجنب التشكيك في عدم شرعية النظام كونه متعهد عدم الشرعية من الباطن، يصرخ اليوم ويقول “لقد فزنا في الانتخابات التي نظمها النظام، فأعطونا شهادات فوزنا في انتخابات رئاسة البلديات”. ألم يقل إمام أوغلو قبل الانتخابات إن حزبه لن يشكك أبدا في شرعية الرئيس؟

الفرق الوحيد بين الانتخابات التي أجريت بدءا من السابع من يونيو 2015، وانتخابات الحادي والثلاثين من مارس الماضي، هو أن الحكومة واجهت الهزيمة على الرغم من كل أنواع الحيل التي لجأت إليها. هذا لا يعني أن مشكلة اللاشرعية بدأت في الحادي والثلاثين من مارس، بل يعني أن الناخبين يشككون مجددا في شرعية النظام، ولكنها لحظة ألمَّ فيها الدمار بكل شيء ولا يوجد أي بديل سياسي في الأفق.

لا بد وأن يندهش المرء بهؤلاء الذين فوجئوا برفض أردوغان لقبول نتائج الانتخابات. فإذ بأولئك الذين يوافقون على النظام منذ عام 2015 يكتشفون فجأة عدم شرعيته بسبب أزمة الشهادات الانتخابية، ومقدر لهم دعم الديمقراطية التمثيلية الزائفة في تركيا.

وأخيرا، يمكن القول إنه مع الانتخابات المحلية الأخيرة، تمكن النظام من تعميق مستنقع السياسة الاقتصادية والخارجية للبلاد. فقد أكدت هذه الانتخابات أن هذا النظام الذي يجمع كل السلطات في يد رجل واحد ويتجاهل سائر المؤسسات الأخرى، يقود إلى كارثة. ولقد تعثر هذا النظام على الرغم من القرارات السريعة التي اتخذتها السلطة الوحيدة.

9