موت السماك محسن فكري والممر الآمن نحو المستقبل

الجمعة 2016/11/04

محسن فكري، مواطن مغربي، تربى في كنف أسرة تدين بالولاء للوطن ومقدساته، وقبل أن تستقبل جسده تربة وطنه تلقفته كل عائلة مغربية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، واعتبرته ابنا لها.

خرج أبناء الوطن الغيورون على كل ذرة وبذرة وشتلة فيه، تضامنا مع المرحوم مطالبين بإعمال القانون، والقانون، فقط في حق من قَصَرَ فكان سببا في موت ابن الوطن ضغطا داخل شاحنة القمامة.

الكل عبر عن الأسى والحرقة على فراق محسن فكري، فكانت الاحتجاجات السلمية وكان حضور الدولة عندما باشر رجالها التحقيق في ملابسات الحادث فورا. تدخل ملك البلاد معزيا وصارما في دعوته إلى إحقاق الحق وإظهار ما استبطن في الموت المأساوي لهذا المواطن المغربي ومعاقبة كل من ثبت تورطه في الحادث المأساوي.

إذن، فالكل كان واعيا بدقة الظرف، الشعب كان راغبا في الذهاب بعيدا في تأسيس عقد جديد مع السلطة يراعي تحقيق متطلبات الحرية والكرامة وإرساء العدالة الاجتماعية بكل تجلياتها، ورأس هرم السلطة في البلاد لم يتوان في الالتفات إلى نبض شعبه بكل حماسة وحيوية. في الحادث الذي وقع الجمعة 28 أكتوبر، لا الدولة ركبت رأسها عندما قتل محسن فكري ولا الشعب انساق وراء من دعا إلى التصعيد وإضرام النار في دثار الوطن.

نعم، المغرب قطع مبكرا مع كل ما من شأنه أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، سياسيا وحقوقيا واجتماعيا وتنمويا، ولأنه كذلك فهذا لا يعني أن ليس هناك من لا يساير منطق الدولة في التطور والتقدم في مسار الديمقراطية وتعبيد الطريق نحو إصلاحات شاملة وبخطى ثابتة.

المغرب عرف ولا يزال يعرف مظاهرات واحتجاجات، لكنه بقي موطن جميع المغاربة، يختلفون حول طريقة التدبير ويحاولون تقويم ما أعوج من سلوك الإدارة والسلطة

المغرب البلد الوحيد الذي يقع في محيط غير مستقر ومتشنج ومختنق بأغلال ماض دكتاتوري، محيط مازالت أنظمته لم تُطَبِّع بعد مع مدخلات ومخرجات الديمقراطية وحقوق الإنسان في أبسط مظاهرها.

فهناك الجزائر التي مازالت تئن منذ استقلالها تحت وطأة نظام عسكري، وليبيا المشتتة منذ إسقاط نظام القذافي، ولم يستطع كل سياسييها، الذين أضحوا رهينة أجندات خارجية، الجلوس معا في سبيل جمع شتات أمرهم والاحتكام إلى ضمير الشعب وإنصاف تاريخ نضاله.

وتونس التي تحملت فوق طاقتها مغامرات أحزاب وترويكا أدخلتها في متاهات لم تعهدها، فلا اليسار كان ناضجا كفاية للثبات والدفاع عن منطق العدالة الاجتماعية الحقيقية ولا اليمين استفاق بعد من خمرة الشعارات.

هكذا هي الوضعية، وفي ظلها أطل بعض الخبثاء الذين أظهروا بالواضح أنهم لا يريدون أن ينجح النموذج المغربي، وأرادوا سكب السم في كأس ديمقراطية المغرب التي مازالت تتحسس طريقها. زعموا أن الاحتجاجات التي عرفتها مدن المغرب الأحد 30 أكتوبر بداية ثورة ستأتي على الأخضر واليابس، وأعملوا خيالهم المريض في شرح ما لا يستطيعون فهمه ولا استيعابه في بنية النظام وشعبه.

فالمغرب كان ولا يزال يعرف مظاهرات واحتجاجات وإضرابات، لكنه بقي موطن جميع المغاربة بأطيافهم وعقائدهم السياسية، يختلفون حول طريقة التدبير ويحاولون تقويم ما أعوجّ من سلوك الإدارة والسلطة، لكنهم لا يتجاوزون سقف الوطن ولا يساومون حول استقراره. وهذا ما لم يكن متاحا في تلك الدول التي خرج البعض من سياسييها وإعلامييها عن طورهم ليعطوا للمغاربة دروسا في الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لقد أساء هؤلاء تقدير الموقف، ولم يعرفوا جيدا قدرة هذا البلد على خوض كل التحديات والنجاح فيها.

نذكر هؤلاء بأن المغرب كان وفيا لشهدائه وحريصا على لملمة جروحه وقادرا على تجاوز كل محنه، نذكر هؤلاء بهيئة الإنصاف والمصالحة التي أنشئت في 2004 للبحث في حقيقة حالات الاختفاء القسري والاعتقال السياسي وإصدار توصيات حتى لا تتكرر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. هيئة كانت نقطة بارزة في شعور ووجدان كل المغاربة الذين كانوا ضحايا ما اصطلح عليه بسنوات الرصاص.

مع كل ورش ديمقراطية وتنموية يطلقها المغرب، يود المعرقلون التشويش عليه وإحراجه ووأد مساعيه في المهد. ظهر هذا في نفث سمومهم في الركوب على حدث فردي مع اقتراب كوب 22 الحدث الدولي الكبير الذي تستضيفه مراكش وبعد انتخابات السابع من أكتوبر التي شهد الكل بشفافيتها ونزاهتها، وأرادوا تصوير الوضع وكأنه بركان شعبي لا علاقة له بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وأقول إن المغرب الذي لا يعرفه هؤلاء خرج عن بكرة أبيه متضامنا ومستنكرا ما حدث لمحسن فكري، والمجتمع المغربي واع جيدا بطريقة المحافظة على مكتسباته الديمقراطية ومتمسك بها. ورغم ما يمكن تسجيله من أخطاء وتجاوزات، إلا أن هذا ستعالجه مؤسسات الدولة المعنية والذي لا يتنافى مع ما حققه المغرب من تراكمات لا يمكن التغاضي والقفز عنها.

كاتب من المغرب

12