موت الصحفي وجريان الدم السوري

الخميس 2014/04/17

السؤال الأخطر الذي فجره موت الإعلامي حمزة حاج حسن التابع لقناة المنار في بلدة معلولا السورية هو هل يحتمل جسم حزب الله في الأساس ارتداء ثوب الإعلام والصحافة والسياسة؟ وهل يمكن أن يكون هناك أي سياق مرتبط به يقع خارج إطار البنية الحربية المصعّدة إلى مرتبة القداسة والتي تحّول متى ما ظهرت كل ما عداها إلى تفاصيل تافهة؟

كيف يمكن أن يحتل حمزة وسواه من الإعلاميين مكانا داخل هذه المنظومة من خارج نظام القيم الذي يصنعها؟ كيف يمكن أن يكونوا إعلاميين وصحفيين ومصورين خارج لعبة الإعلام الحربي، أو الإعلام حربا التي يمارسها حزب الله؟

كيف يمكنهم النجاح في فرض وصف خاص بهم مستقل عن شبكة التوصيفات الإلهية المحكمة، التي لا تسمح على الإطلاق بتجاوز البنية المحددة المرسومة سلفا لكل من يتعاطى شأنا من شؤونها، والتي تقتصر على توصيف واحد ووحيد هو توصيف المجاهد والمقاتل. تاليا لا تكون الكاميرا ولا يكون القلم سوى أسلحة تخدم السياق الحربي وتؤسس له.

النضال الذي يقع على عاتقنا القيام به أمام سيادة هذا المنطق هو محاولة استراد هذا التوصيف من قبضة الحزب ومنعه من أن يكون صاحب الوصف وصانع التعريفات. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تتيح لنا ترسيم الحدود بين المقاتل والشبيح والقاتل والصحفي.

الموت مهنة الجنود والمقاتلين. لا يستجر موتهم أية مأساة بل إنه السياق الطبيعي والضروري ليحيا الآخرون دون سيطرة الموت على حياتهم.

يموت الجنود عادة كي لا يموت الصحفيون والتجار والحدادون واللحامون وبائعو الخضار وأساتذة الجامعات. هذا السياق هو ما يكسب موتهم معنى ويمنعه من التحول إلى فاجعة، بل إلى فخر غير متعال يمكن اكتشاف معالمه في تفاصيل الحياة العادية التي تستمر في الدوران بفضل هذا الموت المدافع عن الحياة في أصله وفي أهدافه.

حزب الله يقلب المعادلة، فالجميع في نظره من واجبهم الموت دفاعا عن الجنود فكرة وواقعا. هكذا لا يكون موت الصحفي في إطار معركة الدفاع عن نظام الأسد موتا خلاقا مدافعا عن حياة بل موتا يدفع في اتجاه الموت ويدافع عنه.

يموت الصحفي الحربي في إطار معركة الدفاع عن نظام العسكر كي يبقى العسكري والجندي حيا وحاكما. يدافع حتى الموت عن موت كل صناع الحياة العاديين من عمال ومهندسين وأطباء وكتاب وشعراء وعمال وأمهات وآباء وأطفال. يموت كذلك دفاعا عن موت الأمكنة والتاريخ والسير محاولا تجميل كل هذا الموت وإطلاق وصف الانتصار عليه.

حين يموت الناس وتموت الأمكنة وتمحى المعالم ويبقى العسكر ما الذي يمكن البناء عليه؟

هذا الدفاع المستميت عن سلطة الخراب كيف يمكن أن يستجر التعاطف؟ كيف يمكن أن يكون موت حمزة حاج حسن مأساة في ظل جريان الدم السوري المهدور؟ وفي ظل شبكة الفظاعات التي تفوق التصور التي يشهرها النظام كل يوم في وجوهنا بفظاظة معلنا أنها وجهه وسيرته وخارطته الخاصة بسوريا والمنطقة ؟

بعد ذلك كله هل يمكن أن يشك أحد في هوية قاتل حمزة حاج حسن؟ أليست مفردة الإعلام الحربي التي اخترعها الحزب وعممها كافية للكشف عن وجه القاتل بوضوح؟

الإعلامي حين يصير حربا يَقتل وتاليا لابد أن يُقتل كذلك. استعادة الصحافة من الموت والحرب هي المعركة التي يجب علينا أن نخوضها الآن كي نستطيع البكاء على حمزة وغيره، وكي نرى فيه الزميل والصديق، وكي ندخله في ألفة يقوم الآن دونها حاجز صلب من عسكرة فرضت نفسها على آخر ما خطه حمزة على حسابه الفايسبوكي حيث سطر أمنية تقول “ببركة دماء الشهداء وعزيمة المقاتلين الأبطال النومة الليلة بفندق السفير معلولا”.

أليست معلولا الجغرافيا الخطأ، أم أن الخرائط مارست لعبة جهنمية دون أن ندري؟ هل من المسموح لنا أن نرثيك دون أن يكون في رثائك خيانة لكل الدم السوري واللبناني الذي أهرقه الحزب والنظام السوري والإيراني.

حمزة لا يمكن أن نبكي عليك دون أن نعريك من درع الإعلام الحربي فهل يسمح لنا الحزب بذلك؟

أعتقد أننا الآن نحن وأهلك ومن عرفك حقا في مكان واحد ونسكن مقام الأسف، في حين أن الحزب وحده يسكن أوهام نصره المتصحر الذي قتلك ويقتلك وسيقتلك على الدوام.

18