موت العصافير

الأحد 2016/05/29
مسيرة عطاءٍ كبيرة أوقفها الموت

ما الذي يمكن للكلمات أن تفعله بإزاء قوة الحقيقة عندما تتحكم بمصائر البشر، وبفكرة الحياة والموت؟ لعل الرثاء أن يكون من أبغض المهام على النفوس المرتوقة بخيطان الوجع البشري، النفوس التي يقلقها إلى حدّ الموت أيّ ذِكرِ للموت، حسبُ ذلك أن يكون إطاعةً لواجب الذكرى الجميلة، وهو من حقوق البشر على إخوتهم من البشر.

لاخيار لنا في هذا الذي لا غنى عنه، نشيّع من خلاله الأحباب، والأصدقاء، والقامات الفكرية الرفيعة، القامات التي لم تعش من أجل أنفسها بل من أجل الآخرين، وأن نشيّع بالكلمات كل الذين عشنا معهم، من خلال علاقتنا بشخوصهم أو عبر قراءتنا لنتاجاتهم الفكرية والثقافية.

وهذا هو الذي سيبعث بالتحية الواجبة إلى روح الراحل عنا قبل يومين، إلى الكاتب والمبدع، ياسين رفاعية، وذلك أقلّ ما يمليه عليّ واجب انتمائي، أنا وهو ومعنا جمهرة واسعة من المتعبين، المنتمين إلى مهنة الشقاء الأزلي، مهنة الكتابة، المهنة التي يتآخى فيها المبدعون أينما كانوا، شريطة أن يكون انتماؤهم قد كان حقاً إلى الجانب المثقل بالوجع البشريّ. وأيّ كلامٍ مؤثّرٍ وشافٍ هذا الذي يمكن أن نكتبه، ويرضينا، ويرضي ياسين رفاعية، وهو الذي أمضى عمره، حلوه ومرّه، في قلب سوريا، ثم يوم أن أجبرته الظروف السياسية على مغادرتها، وهو المتذوّق لطيّب الكلام، وقراءة الكلام العذب وصياغته، وكان له طريقة عيش، ومهنة لم يعرف سواها.

والراحل ياسين رفاعية، الذي لم تشأ لي الظروف أن أحتكّ به عن كثب، وفي العمق الذي تستتبعه رفقة الكتابة، وما يصاحبها من نقاشاتٍ وصياعةٍ في الدروب، والحانات، بحثاً عن موضوعٍ نكتبه. وهذا الذي لم يتحه لي الاحتكاك الشخصي بياسين رفاعية أتاحته لي بعض كتاباته، وبالأخص مجموعاته القصصية.

ولقد كان ياسين رفاعية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، هو والكتّاب السوريون الكبار نوعاً من معلمين لنا، نحن الجيل الذي أتى تالياً. كانوا نوعاً من معلّمين لنا، وأساتذة حملنا قائمة مؤلفاتهم إلى مكتبات دمشق، وإلى بسطات الكتب فيها، نبحث عن المجموعات القصصية التي فاتنا تحصيلها، وكان منها “الحزن في كل مكان” و”العالم يغرق” وهما من الأعمال المبكرة، والمتميزة لياسين رفاعية. نبحث عنهما جنباً إلى جنب مع مجموعات زكريا تامر، وسعيد حورنية، وعادل أبو شنب، ونصرالدين البحرة، وحسيب كيالي، وعبدالله عبد، وحيدر حيدر، وغيرهم من أبناء ذلك الجيل الرائع.

وكان ياسين رفاعية واحداً من أبناء ذلك الجيل، وامتاز عن الآخرين بوفرة العطاء، فكان قاصاً وشاعراً، ومسرحياً، وناقداً أدبياً، واستوعبت مؤلفاته التي زادت على العشرين كل أشكال الكتابة والقول. وإن كنت أكثر ما أراه مبدعاً، إنما في فن القصة القصيرة، وهي التي رغم أهميتها وصعوبتها، غير أنها لا تؤمّن الكثير من الشهرة لكاتبها.

والكلمات الخجولة هاهنا، في مواجهة مسيرة عطاءٍ كبيرة أوقفها الموت، لن تسبر معنى ذلك اللغز المجهول، ولا تقدمنا الغامض باتجاهه. والكتابة لا توقف حزناً، ولا ترى الموت تحصيل حاصل. وما هو بأيدينا ليس أكثر من تساؤل ساذج: ما مذاقُ الموت هذه الأيام؟ وكيف يمكن لكتّاب مثلنا أن يتركوا الانوجاد المروّع الذي نحن فيه، وهنالك الآلاف من المشاكل التي لم نحسمها بعد؟ إنْ سألنا الموت أن يتريث فهل يستجيب؟

كاتب من فلسطين

11