موت العقل

السبت 2016/01/16

الأفراد الذين يتعرضون لعمليات ممنهجة لتغيير الأفكار والاتجاهات (خارج إطار السجون ومعسكرات الأسر)، يعانون من نقاط ضعف واضطرابات واضحة في الشخصية، لعل أهمها سوء تقدير الذات.

وصلتني قبل أيام رسالة هاتفية من صديقة على الواتس آب، وهي تشبه كثيرا محتوى وشكل معظم الرسائل التي يمطرنا بها الأصدقاء التقنيون هذه الأيام، إلا أن مهنة صاحبة الرسالة وهي (طبيبة) هي التي لا تشبه هذا المحتوى شكلا وموضوعا. فالرسالة تحتوي على معلومات علمية طبية تقدم مخرجات جديدة على يد طارئين ومدعين يحلو لهم كثيرا عقد روابط وهمية بين العلم والدين، هذا الربط الذي يبدو في بعض صوره الساذجة مثيرا للسخرية والغضب في آن واحد.

تركت هذه الطبيبة شهاداتها العلمية وخبرتها العملية وأبحاثها جانبا وخضعت لمجموعة من الأفكار الساذجة لأسباب مبهمة بالنسبة إليّ بل وتقع ضمن إطار اختصاصها العلمي، فما سر ذلك يا ترى؟

نستخدم في حياتنا اليومية العديد من الاصطلاحات المعقدة من دون وعي أو فهم كامل لها، في محاولة للإجابة عن هذا النوع من الأسئلة المحيّرة وكانت الفكرة التي طرأت ببالي أثناء تصفّح الرسالة الساذجة التي ازعجتني بها صديقتي الطبيبة مرتبطة بمفهوم (غسل الدماغ). ارتبط هذا المفهوم في بعض جوانبه بعالم النفس وأستاذ علم وظائف الأعضاء الروسي إيفان بافلوف الذي كان قد خرج نتيجة تجاربه على غرائز الحيوانات وسلوكها بنظريته الشهيرة “الفعل الشرطي المنعكس” التي تقوم أساسا على أن القيام بسلوك معين هو نتيجة لمؤثرات خارجية، أي أن تغيير بيئة الإنسان يمكن أن يغير طبيعته الذاتية. هذه النظرية هي التي عبدّت الطريق أمام استخدام ما يعرف بعمليات (غسيل الدماغ)، ولم تكن حينها فكرة جديدة تماما، فقد عرفت بعض الأمم وفي مراحل تاريخية متعددة إجراءات قسرية لفرض مذاهب وعقائد وأفكار معيّنة على مواطنيها، إضافة إلى إعادة تعليم وتثقيف وتشكيل الطابع المعرفي وفق اتجاه معين يخدم المنهج السياسي لمجموعة بذاتها.

لكن المؤكد في الأمر، أن معظم وسائل غسيل الدماغ كانت تنتعش في معسكرات الاعتقال والأسر والسجون، حيث استخدمت كوسيلة ترهيب بهدف إعادة تكييف الأفراد بعد خضوعهم لتجارب نفسية وجسدية قاسية، لتغيير أنماط تفكيرهم وسلوكهم ورغباتهم ومعتقداتهم وخلفياتهم الثقافية القديمة لتقبل ما يفرضه عليهم الآخرون وتبني فكر جديد بعد أن تذوب هويتهم الحقيقية.

أثارت هذه العمليات، وما زالت، جدلا كبيرا بين علماء النفس والبعض ما يزال يربطها بعمليات التوجيه الديني والتعليمي والاجتماعي التي تحدث في مجتمعات معينة في حالة السلم، بل تحدث في أحيان كثيرة بشكل مقصود أو غير مقصود وقد يكون (الضحية) واعيا أو غير ذلك حرا في اختياره أو مجبرا على ذلك، أما مصادر التأثير فتتقدمها وسائل الإعلام المختلفة والإنترنت. إلا أن هناك شبه اتفاق بين مؤيدي النظرية ومعارضيها، على أن الأفراد الذين يتعرضون لعمليات ممنهجة لتغيير الأفكار والاتجاهات (خارج إطار السجون ومعسكرات الأسر)، يعانون من نقاط ضعف واضطرابات واضحة في الشخصية، لعل أهمها سوء تقدير الذات، عدم الثقة بالنفس، الانطواء إضافة إلى القلق، كما أن الأشخاص الأكثر خنوعا لهذا النوع من التغيير يتسمون في الغالب بمستوى تعليمي وثقافي متواضع، لذلك تسهل قيادتهم من قبل الآخرين ويسهل تقبلهم لأفكار جديدة لن تدخل في صراع يذكر مع أفكارهم القديمة.

هذه المعلومات بالذات هي التي حولت سؤالي الساذج الأول إلى مجموعة معقدة من علامات التعجب: ترى كيف يمكن لمن يحمل مواصفات شخصية قوية وتعليما عاليا وثقافة واسعة أن يخضع لتأثير من هم أدنى منه في كل ذلك؟

21