موت المؤلف

الأربعاء 2017/06/07

لنتفق مبدئيا على أن الشاعر والروائي والمسرحي والرسام ليسوا موظفين عند الشعوب. الكاتب لا يفترض فيه أن يكون مناضلا ولا فدائيا ولا نبيا ولا قديسا، هو صاحب مزاج سيء بالأحرى، خصوصا تجاه الشعب الذي يحوّل عمله عادة إلى عدم، وإلى مجاز كبير للعطالة وقلة الحيلة وسوء المصير.

بل إن أسوأ قدر عند الكاتب أن يولد في بلد شمولي يتسلط فيه من يحكم باسم الجماهير، الكاتب صاحب حرفة باليد والذهن معا، وتاجر أيضا، يبيع كلاما وصورا ليعيش، ويمكن أحيانا أن يكتفي بأن يكون قلما مأجورا، فالأمر ليس سبة أو فضيحة، فلكل عمل أجرة؛ لهذا طبيعي أن تجد الكاتب المحتال والمدلّس والساذج والطيب والرفيع والوضيع والنصاب الكبير.

الأمر طبيعي جدا ومقبول عزيزي القارئ، كما يمكن أن تجد الكاتب المؤمن والكافر، الثري والفقير، ولهذا رجاء كف عن تخيّل الكاتب شخصا بمواصفات استثنائية، أو حكيما، أو ساحرا، فذلك لا يتحقق إلا في خيالات مجانين من عينة القذافي، قائد ثورة الفاتح، وصاحب قصص “القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء”، لسبب بسيط أنه كان مفتونا بصورة الكاتب الزعيم المحاط بالهيجان والقبضات الملوحة.

لهذا فإن أكثر المؤاخذات حماقة تلك التي تنزع القيمة عن كاتب أو فنان لأنه لم يدل بموقف سياسي، أو لم ينحز إلى صف الجماهير، أو لم يلعب دور المرشد المعين للشعب المسكين، فذلك آخر ما قد يتبادر إلى ذهنه، كما أن أحط أنواع الكتاب أولائك الذين يدارون ضعفهم بتقديم خدمات نضالية، أو يتوقون إلى ألقاب من قبيل شاعر الجماهير أو أديب الشعب، أو كاتب الفقراء،… فتلك صفات توحي لك منذ البداية بأن الأمر منته، ولا يعنيك بتاتا إن كنت تبحث عن متعة أو عمق جمالي وفكري، بل يتعلق بإسعافات أولية لجراح المستضعفين، وهو ما لن يرضيك في النهاية إن خضت فيه مع الخائضين.

عليك أن تتفهم عزيزي القارئ تلك النزوعات الكبيرة نحو الترف والرفاه عند المبدعين، لقد كان دوستويفسكي مقامرا، وغويا رساما للملك، والمتنبي حالما كبيرا بالإمارة، لا تستغرب إن وجدت كاتبا مفلسا بقميص أبيض وربطة عنق زاهية أو بابيون فاخر، فتلك نظرته للحياة، لا تغرنك تحديدا تلك الثياب المجعلكة التي يتدثر بها بعض المهرة ممن يسلبون لبك، فالأمر لا يتعلق بشهوة للحرمان.

لهذا لا ينبغي أن تصغي لهؤلاء الفطريين ممن يبادرون في كل مرة تقع فيها حادثة في البلد إلى النواح مجددا على دور الكاتب والناقد والمؤلف، ينسون دائما حكمة المفكرين البنيويين، خصوصا رولان بارت الفذ والعبقري، التي تخبرنا بأن المؤلف قد مات، فعليكم بالنصوص والأعمال، ولتنسوا المبدعين قليلا.

كاتب مغربي

15