موت المسودات

الجمعة 2014/05/16

لا جدال في أن الكتّاب يجدون في الثورة الرقمية أوجه إفادة عديدة، إذ صار بمقدورهم خزن مؤلفاتهم ومخطوطاتهم في قرص وحتى في مفتاح إلكتروني يداني حجمه الخنصر، مثلما أصبح بإمكانهم الاستغناء عن المصنفات القديمة التي لا تتسع لمجلداتها شققهم، ويستعيضون عن ابتياعها بزيارة هذا الموقع أو ذاك. نقرة ويكون المرجع طوع اليد. ولكنهم في المقابل فقدوا أشياء هامة ليس أقلها ما كانوا يدبجونه من مسودّات بالقلم على الورق والكراريس، إذ أزال “الوورد” كل سمة تميز هذا الكاتب عن ذاك، من حيث خصوصية خطه وهوامشه واستدراكاته وتشطيبه، وكل ما يشمل عملية الولادة، ولادة النص، أيا ما يكن جنسه. وشتان بين دفاتر يرى فيها الكاتب ذاته، كمن يتملى صوره في مراحل من حياته، بحلوها ومرّها، وبين نصوص ذات سمة موحّدة كأنها سندويتشات ماك دونالد.

قد يرى البعض أن المسألة غير ذات أهمية، خصوصا في مجتمعاتنا، حيث لا نولي عنايتنا إلا للمخطوطات التي ورثناها عن السلف، والتي ينام أغلبها في مكتبات العواصم الغربية، فهي وحدها النفيسة، وما عداها أوراق بالية يمكن التفريط فيها للبقالين وبائعي الفطائر والحمص المقلي. ولكن الغرب يحفل بالمسودات التي يعود عهدها إلى ما قبل الآلة الراقنة والحاسوب حفوله بمخطوطات العصور المتقدمة، ليس لغرض بيعها في المزاد العلني فحسب، وإنما أيضا لتتبع مسار الأثر من بدئه حتى منتهاه، واستخلاص مسالك تأويلية لمقاربته، والإحاطة بعالم مُنشِئه، وفهم عملية الخلق الفني لديه. وقد وُضع لهذا الغرض بابٌ في النقد سمّوه النقد الجيني، وهو نقد يتوسل بالمسودات لمقاربة مراحل تطور الأثر، ومقارنته بالنص المنشور، للوقوف على نقاط الائتلاف والاختلاف فيه.

خطر آخر جاءت به تلك المستحدثات الرقمية وهو قابلية المادة المخزونة للتلف، ما يجعل الآثار التي لم تطبع بعد، أو المشاريع التي تنتظر الإنجاز عرضة للزوال. ذلك ما حدث مثلا للحواسيب التي تركها جاك دريدا رفقة أقراص ما عادت تقرأ.

فما الحيلة إذن بعد أن آلت المسودات إلى الانقراض، أو تكاد؟

بعضهم وجد في المواقع الاجتماعية أو المدونات سندا لنشر فصول متنامية أو عمل أدبي قيد الإنجاز، كما فعل الفرنسي جان فيليب توسان أو التونسي وليد سليمان، حتى يتمكن القارئ من تتبع المخاض والولادة، وإبداء الرأي أحيانا، ولكن ذلك لا يعوّض بحال مسودة يطارد فيها الكاتب عبارة يخطّها فإذا هي ثابتة على الدوام، لا تزول بزواله، حتى وإن لم تنشر.


كاتب من تونس مقيم في باريس

15