موت الملاحق الثقافية العربية يثير الحزن والتساؤلات

شهدنا إغلاق عدة ملاحق ثقافية عربية، كانت تمثل منابر وأبوابا مشرعة للكتّاب والمبدعين لتقديم إنتاجهم، ولكن أغلب هذه الملاحق بات اليوم ذكرى. فهل يعاني الملحق أو الصفحات الثقافية في الصحافة العربية “أزمة”، حيث هو الأقرب والأسهل في الاستغناء عنه كليا أو تقليص عدد صفحاته؟ ثم أليس صدور حكم الإعدام العام الماضي بإيقاف ملحق “نوافذ” بجريدة المستقبل وملحق النهار الثقافي دليلا فعليا على هذه الأزمة؟ “العرب” استطلعت آراء كتاب ومثقفين عرب عن الملاحق الثقافية التي يطالها الموت.
الجمعة 2016/02/19
الملاحق الثقافية العربية تأخذ في الأفول

توقفت عدة ملاحق ثقافية عربية وباتت ذكرى، بينما تبقى فكرة الملحق الثقافي في بعض البلدان العربية الأخرى مجرد طموح بعيد، ففي ليبيا مثلا، حيث النزاع المسلح، يعتبر التفكير في إصدار ملحق ثقافي نوعا من الترف أو بمعنى أدق “ليس وقته”، سألنا المهتمين، هل مصطلح النخبة الذي يطلق على هذه الملاحق تهمة؟

يعرب الشاعر مهيب البرغوثي، المحرر الثقافي بجريدة الحياة الجديدة الفلسطينية عن أسفه لحال الملاحق الثقافية في الوطن العربي وبلده فلسطين، إذ تعتبر شيئا زائدا عن الحاجة، يقول: لو كانت هناك إعلانات تجارية، فبكل سهولة ممكن أن يرمى بالملحق الثقافي في القمامة، دون أدنى تفكير، الملاحق الثقافية تعتبر الحلقة الأضعف، ليس لأنها نخبوية فحسب، بل لأن الجيل الجديد لا تروق له ثقافة الورقي، ومن ثمّ القيود الموجودة هي قيود سياسية على الثقافة. إني أخاف أن يأتي وقت يموت فيه الورقي.

لكن البرغوثي مازال وثيق الصلة بكل ما هو ورقي، فهو لا يكتب على صفحته الشخصية في الفيسبوك مباشرة، بل يكتب على الورق أولا. أضف إلى ذلك أنه لا يعرف قراءة أيّة مادة ثقافية إلكترونيا، لأنه لا يحس ولا يشم رائحة الحبر والورق خلالها.

الضحية الأولى

يعتبر الكاتب جعفر العقيلي، سكرتير تحرير الملحق الثقافي لصحيفة الرأي الأردنية أنه علينا أن نقرّ بهذه الحقيقة المرّة، أن الصفحات الثقافية، وتحديدا الملاحق، هي الضحية دائما عندما يتعلق الأمر بتقليص عدد الصفحات لظرف آني أو موسمي أو لأسباب تتعلق بالكلفة، أما إذا كان الأمر يتعلق بإعلان يرفد خزينة الصحيفة، فلا ضير أن يستغنى عن الملحق كله. ليس هذا فقط، كما يقول، بل إن صوت المحرر الثقافي ربما لا يكون مسموعا، أو لنقل إنه قد يعامل باستخفاف بالمقارنة مع صوت محرر السياسة أو المحليات أو الاقتصاد. لكن العقيلي يتساءل هل يمكن إلقاء اللوم على إدارة الصحيفة -أيّ صحيفة بعامة- دون سواها؟

يقول الكاتب “أنا أرى أن المثقفين شركاء في التضييق على المنابر التي تقدّم أصواتهم، والحديث عن المثقفين هو بالضرورة الحديث عن الهيئات التي ينضوون تحتها، فقد وصل عدد صفحات الملحق الثقافي الذي أحرره 18 صفحة تابلويد في وقت من الأوقات، و12 صفحة من القطع الكبير في فترة ذهبية أخرى، وحين تراجع عدد صفحاته لمّا توقفت المكافآت الرمزية المخصصة للكتاب الذين ينشرون فيه، لم تُحرك الهيئات الثقافية ساكنا وكأن الأمر يتعلق بقطاع آخر غير الثقافة”.

الصفحات الثقافية، وتحديدا الملاحق، هي الضحية دائما عندما يتعلق الأمر بتقليص عدد الصفحات بسبب أي ظرف

ويوضح العقيلي “لم ننجح بعد في جعل الصفحات الثقافية شعبية وحافظنا عليها في مربع النخبوية، وهذا مبرر إضافي لإدارات الصحف بغية إيقاف الملاحق والصفحات الثقافية أو تقليص عدد صفحاتها، لأن هذه الإدارات تفكر في الربحية بالنهاية وهذا حقها، فما الذي يضطرّها إلى تخصيص صفحات لا تلقى إقبالا، ولا يأبه بها القارئ العادي. أما بشأن صفحات الكُتاب على مواقع التواصل الاجتماعي فقد أصبحت بديلا ممكنا ومتاحا يفي بالغرض الذي ينشده الكاتب، وهو تحقيق الانتشار، وتوسيع رقعة المقروئية، والتفاعل مع القراء بمستوياتهم كافة وهو أمر إيجابي في أحد وجوهه”.

بدوره يقول القاص أحمد مجدي همام “للأسف الصفحات والملاحق الثقافية تحتل مؤخرة سلم الأولويات لإدارات الصحف، بمعنى أنها أول ما سيتم التضحية به لصالح إعلان تجاري أو خبر عاجل يحتاج إلى مساحة إضافية. وكون تلك الصفحات نخبوية لا يعني أن العيب فيها، بل إن العيب الحقيقي في المجتمعات التي تتعامل مع المنابر الثقافية بوصفها إكسسوارا أو حلية زائدة نستطيع الاستغناء عنها. تلك الصفحات الثقافية -وبخاصة في مصر- كانت الكوّة التي أطل منها مبدعون مهمّون، في إطلالاتهم الأولى، وهذا أمر يعكس مدى أهميتها، وكان المشرفون على تلك الصفحات بمثابة عرّابين لتقديم أصوات شابة موهوبة”.

ويتفق أحمد مجدي همام مع الرأي الذي يقرّ بتحول صفحات الكتاب الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى منابر ثقافية، ويضيف: لكن في النهاية هي منابر تعتمد على مجهود فردي، بمعنى أن صاحب الصفحة إن غاب لظروف شخصية أو لأي سبب فإن صفحته ستبقى خاوية، وبالتالي لا تغني عن الصفحات والملاحق الثقافية الموجودة بالمطبوعات الدورية العربية الكبرى.

تهمة النخبوية

في ليبيا ترى الصحافية نعيمة العجيلي، التي ترأست تحرير عدة ملاحق ثقافية، أن الصفحات والملاحق الثقافية تواجه تحديات دائمة، خاصة وأن البعض من المسؤولين عن الصحف يفضلون التضحية بالثقافة كلما اعترضهم حدث له إيقاع صاخب مثل الأحداث السياسية أو الرياضية أو أنهم تحصلوا على كمية إعلانات غير متوقعة، إضافة إلى تحدّي إدارات التحرير تواجه هذه الصفحات تحديات أخرى من قبيل الدعم المالي حيث لا تستجيب دوائر القرار الاقتصادي لمتطلبات يرونها مجرّدة من المكاسب المادية.

من الصعب في مصر، وعالمنا العربي، تصوّر إمكانية نجاح مطبوعة ثقافية متخصصة من الألف إلى الياء، خارج دائرة المؤسسات القومية، أو وزارات الثقافة والإعلام

وتضيف “الدويّ الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي جعل من نهم القراء لاقتناء الصحيفة يخبو وإن تميّز قراء الصفحات الأدبية ومتابعوها عن غيرهم بتفضيل كل ما هو ورقي، إن توفر بطبيعة الحال، أما عن تهمة النخبوية فهي تهمة أبدية التصقت بالكتابة الإبداعية يطلقها عادة المتحيّزون لقضايا المجتمع اليومية. في اعتقادي إنها تهمة باطلة في معظم الأحيان -ولا أقول جميعها- لأن الإبداع يولد من رحم المعاناة، ولا يستوجب ذلك أن تكون معاناة مادية فحسب، بل إنها الإحساس بالآخرين والتفاعل معهم، وإن لم يكن التعبير مباشرا كما هو في الخطابات السياسية والعقائدية، يبقى الأدب سجلا تاريخيا إنسانيا رفيع المستوى وأكثر خلودا من صور التعبير المباشرة”.

في مصر ينظر الشاعر شريف الشافعي، مسؤول الصفحة الثقافية في بوابة الأهرام إلى الموضوع من عدة نواح، تتمثل في أن هناك صحافتين، قومية وخاصة، فضلا عن الصحف الحزبية. وهناك أسلوبان للنشر، الورقي والإلكتروني. القسم الثقافي قد يبدو أفضل حالا على نحو ما في الصحف القومية الرائجة من نظيراتها الحزبية والخاصة، ويبدو أوفر حظا بكثير في النشر الإلكتروني، غير المحكوم بمساحة، من النشر الورقي، المحدد والمكلف أيضا. أمور كثيرة تحكم وضع الصفحة الثقافية في الجريدة، وموقعها وحضورها إلى جانب الصفحات الأخرى، وربما توجهها في بعض الحالات، منها معيار التسويق والتوزيع، وهوية مُلاك ومديري الصحيفة، وطبيعة الجمهور المخاطب.

ويتابع “من الصعب في مصر، وعالمنا العربي، تصوّر إمكانية نجاح مطبوعة ثقافية متخصصة من الألف إلى الياء، خارج دائرة المؤسسات القومية، أو وزارات الثقافة والإعلام. وهذا دليل على أن الصفحة الثقافية، المحدودة حتى داخل الجريدة، ليست من الصفحات الرائجة جماهيريا على نطاق واسع”.

يضيف “هذا المؤشر التسويقي ليس معناه سلبيا، ولا يعطي مبرّرا للاستغناء عن الصفحة الثقافية في الإصدار، فكون هذه الصفحة مختصة لا يعني أنها نخبوية بالمعنى الاستعلائي، بقدر ما يجسد ذلك حقيقة أنها تخاطب قطاعا من المهتمين، وهم ليسوا القراء كلهم بطبيعة الحال. الصحافة الثقافية تعاني من مشكلات بالتأكيد، لم تصل إلى حدّ الأزمة في المؤسسات القومية، لكن الكثير من الصحف الخاصة والحزبية التي تعاني من ضعف الموارد، اضطرّت بالفعل إلى الاستغناء عن صفحاتها الثقافية أو تقليصها تحت وطأة ما يمكن وصفه بالأزمة الحقيقية، التي أدّت إلى خفض عدد صفحات المطبوعة”.

15