موت رمزي في ليبيا للهروب من جنون طاغية

للموت صور متعددة في الأعمال الروائية، فهو المعبّر عن النهايات الحتمية، وهو الدال على قلق الكينونة وأرق الوجود، وهو الشبح الأزرق الذي يقض مضاجع الإنسان، ولئن اختلف تناول الكتاب للموت في نتاجاتهم فإن الموت المعنوي ظل يشغل الحيز الأكبر في الروايات، لما فيه من لذة تجلب القارئ وتجعله يعيش لحظة العدمية وربما بكثير من العبثية، وهو في ذلك يتجلى كالعاكس لصورته في المرآة الباحثة في الوجوه الشاحبة المنتظرة لموت قد يكون روحيا لا جسديا.
السبت 2016/05/28
حيلة الموت الافتراضي

القاهرة- تصور رواية “العائد من موته”، للكاتب والروائي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه، الحياة في ظل الدكتاتور، عبر معاناة مواطن يمثل النجاح والاجتهاد والمثابرة بالمقاييس التي يتفق عليها الناس، ويلقى هذا النموذج الإعجاب والإكبار من أبناء المجتمع، إلا أن إعجاب البشر وإكبارهم لا يتفقان مع ما يراه الدكتاتور في المواطن، كما يجب أن يكون.

والرواية ليست قصة هذا الصراع بين الطاغية ومواطني بلاده، الذين يمثلهم بطل الرواية رشيد الأزرق، بل هي أوسع من ذلك وأكثر شمولا، لأنها لا تقتصر على الأجواء السياسية والقمع الذي يمارسه الطاغية على شعبه.

تدور أحداث الرواية حول المواطن الليبي رشيد الأزرق الذى يعلن عن موته في القاهرة، بعد وصوله إليها من طرابلس لحضور حفل تخرج ابنه. يبدأ الراوي وهو صديقه المقرب برثاء الأزرق، والإشادة بسجله فى مجال الاقتصاد والاستثمارات الوطنية ودعمه للتجربة الاشتراكية، ليصبح قدوة في الإسهام في الصالح العام، بعد أن صار من كبار الاقتصاديين متوجا رحلة كفاح كعصامي تمكن من صنع المستحيل.

الحاكم المؤله

يقول المؤلف أحمد إبراهيم الفقيه “وطالما أن حاكمنا قد تماهى تماهيا كاملا مع دوره كمؤلّه ممسوخ، فلن يجد غضاضة في أن يقتبس بعض صفات الإله الحقيقي”، والحاكم المؤله هنا هو معمر القذافي.

الحاكم في رواية “العائد من موته”، الصادرة ضمن سلسلة روايات الهلال الشهرية، تجسيد للشر المطلق، لا تردعه أخلاق، ولا يعترف بقانون فهو مصدر القوانين بعد “تعطيل كل القوانين التي تعرقل العمل الثوري”، كانت نشأته الفقيرة بابا على جحيم دفع إليه الشعب بمجرد نجاحه في الاستيلاء على الحكم، فانتقم من الخصوم سجنا وتعذيبا وتشريدا وقتلا. لكن بطل الرواية رشيد الأزرق نجح في الفرار من موت مؤكد، لاجئا إلى موت زائف، أخفاه حتى عن زوجته وفاء وابنتيه، وصديقه الأثير، حيث استقبلوا جسده الرمزي مشحونا في تابوت من القاهرة، وشيدوا له مسجدا، وضريحا بداخله، وأطلق عليه الناس لقب مولانا الأزرق، فتردد اسمه على الألسنة، في انتقام صامت من الدكتاتور.

وثيقة إدانة

رواية عبثية عن صراع الخير والشر

يتعرض رجل الأعمال الناجح رشيد الأزرق لحرب لا يستطيع أن يعرف مصدرها، كأن أشباحا تحاربه وتصب على رأسه الرزايا، رغم أنه يحاول أن يتجنب أي صدام مع النظام الذي أعلن مشاريع التأميم والمصادرة التي شملت كل ما يملك من شركات وممتلكات.

ويكتشف الأزرق عن طريق الصدفة أن مصدر هذه الكوارث هو قصر الجنرال، الذي يحكم البلاد، رغم أنه لا يستطيع أن يجد سببا مباشرا لهذا الاستهداف والملاحقة، ثم يكتشف تدريجيا أن الطاغية لا يحتاج إلى أسباب لمطاردة أحد رعايا دولته فهو العبث والطغيان، ويمكن لسبب تافه لا علاقة له بالحكم والسياسة أن يكون مبررا لقتل الناس وتصفيتهم.

تتماهى في الرواية الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال، فلا تعرف أين ينتهي الواقع وأين تبدأ الدراما، كما تعتبر الرواية وثيقة تدين أربعين عاما من الفوضى الدامية في ليبيا، وتشحن القارئ بالغضب، انتظارا لانفجار حتمي.

لم تكن بين رشيد الأزرق والنظام الليبي مشكلات، حتى بعد صدور قوانين تأميم الشركات والعقارات، عام 1977، والتي كان أحد ضحاياها، ولكن النظام بدأ يلاحقه ويبغضه نتيجة لخلافات نسائية، وهنا تنوع مسلسل الانتقام من التأميم إلى السجن، ثم تأكد له أنه على قوائم التصفية، كما حدث لمواطنين استهدفهم النظام، ففكر في حيلة الموت الرمزي، الصوري الافتراضي، وكان ذلك الضمانة الوحيدة للنجاة، وابتعاد عيون النظام عنه، ليبدأ حياة جديدة، ويحقق نجاحات أكبر، ثم يلوح له أمل مع اندلاع الاحتجاجات ضد نظام العقيد في 2011.

هذه الرواية قدم الكاتب شهادة عنها تطلّبت عدة صفحات في آخر الكتاب يقارن فيها بين أول عمل روائي أنجزه ثم عمله الأخير هذا وما طرأ على رؤيته وأسلوبه وفهمه لمهنة الكتابة السردية من متغيرات.

ورواية “العائد من موته” هي العمل رقم 23 من جملة ما كتب أحمد إبراهيم الفقيه من روايات، وتتجلى فيها شخصيته الأدبية ويظهر فيها أسلوبه الذي غالبا ما نراه يدرج فوق تخوم الحقيقة والخيال، مجسدا ما يقوله الكاتب عن نفسه من أنه في أعماله السردية لا يهمل الواقع ولا يكتفي به، وإنما يغنيه دائما بما فوق الواقع وحوله وتحته.

وأحمد إبراهيم الفقيه (74 عاما) كاتب وروائي ليبي، من مواليد طرابلس، في رصيده ثلاث وعشرين مجموعة قصصية، وعدة مسرحيات عرضت في عدد من مسارح العالم، حصل على جوائز وأوسمة في ليبيا والعالم العربي، عمل بالصحافة والسلك الدبلوماسي وأسهم في تأسيس صروح ثقافية في ليبيا، منها اتحاد الأدباء والكتاب والمعهد الوطني للموسيقى والتمثيل وفرقة المسرح الوطني. حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة إدنبرة في إسكتلندا. بدأ ينشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية منذ العام 1959، فازت مجموعته القصصية “البحر لا ماء فيه” بالمركز الأول في جوائز اللجنة العليا للآداب والفنون بليبيا، كما تم اختيار روايته ثلاثية “سأهبك مدينة أخرىء” كواحدة من ضمن أفضل مئة رواية عربية.

16