موت صغير.. قراءة ممتعة

السبت 2017/08/05

لم يعد جديداً القول بأن الرواية المعاصرة، وتحديداً منذ النصف الثاني من القرن العشرين، بلا حدود، ولم تعد لها -في ما نقرأ من نماذج- مقومات أو ثوابت أو محددات، وصارت تجمع في بوتقتها خليطاً من أجناس الكتابة ومثلها من الأزمنة والأمكنة والمعارف والأحداث والأشخاص.

ومثل هذا الخليط قد ينتهي إلى نتيجة إيجابية، وطالما انتهى -وأكرر ثانيةً: في ما نقرأ من نماذج- إلى نتيجة سلبية، أو لأقل، وعذراً لهذا الوصف، يظهر كما الطبخة الرديئة، ذلك أن عملاً كهذا يحتاج إلى موهبة وخبرة وثقافة وذائقة جمالية، وحين لا تتوفر هذه المقومات تأتي الكتابة مرتبكة وواهنة، لا تجتذب المتلقي ولا تستقطب الناقد، وبالتالي لا تجد لها موقعا لائقا في جغرافية الإبداع.

أخط هذه السطور، وقد انتهيت من قراءة رواية “موت صغير” للكاتب السعودي محمد حسن علوان، وهذه الرواية تتمثل شخصية شيخ المتصوفة الأكبر محيي الدين بن عربي الطائي الأندلسي، المولود في مدينة مرسية في العام 1164م والمتوفى بدمشق في العام 1240م والمدفون فيها، حيث تبدأ أحداثها بميلاده ولا تنتهي إلا بوفاته، ولم يترك من سيرته شاذة ولا فاذة إلا وتناولها وتوقف عندها، وقد أفاد من تجارب كتابة السير حتى ليمكننا تجوزاً أن نعد هذه الرواية، سيرة ذاتية لمحيي الدين بن عربي، تقترن بالمتخيل السردي المتاح للروائي.

وإذ تابع رحلاته، في الأندلس والمغرب العربي وبلاد الشام ومصر والحجاز والعراق وآسيا الصغرى وغيرها، حتى يمكن أن تعد نصاً رحلياً، رصد فيه الروائي المدن والقرى والطرق التي مرّ بها الشيخ محيي الدين وكذلك حياة الناس وصفات الحكام والقضاة والعساكر وما شهدته هذه البلدان ومدنها من حوادث وصراعات وأوبئة وحروب، وما عرف الناس فيها من أوضاع حياتية واجتماعية وثقافية.

نعم.. تكاد تكون رواية موت صغير، على هذا الصعيد تحديداً، نصاً رحلياً، غير أنه يغتني بالمتخيل الروائي فيزداد جمالاً، وقدرة على تحقيق توسع في التلقي، مع أننا نعرف أن الكثير مما اطلعنا عليه من النصوص الرحلية، يلعب فيها خيال الكاتب الرحالة دوراً قد يزيد وقد ينقص، وهذا الخيال له دور أيضاً في نصوص السيرة، بفعل كيمياء معقدة تؤثر في علاقة الخيال بالذاكرة، وقد سبق لي أن تناولت هذه العلاقة في كتابات سابقة.

أما جنس الكتابة الآخر، في روايتنا هذه، وعبر تمثل حياة الشيخ محيي الدين بن عربي، فيكاد يكون بحثاً موسعاً في تاريخ التصوف وحياة المتصوفة، إذ يطلع قارئ الرواية على الكثير مما يتعلق بتاريخ التصوف وحيوات المتصوفة ومعارفهم ونصوصهم وطقوسهم ورحلاتهم وعزلاتهم وما يميزهم في أفكارهم وسلوكهم وعلاقاتهم ببعضهم البعض، وعلاقة الشيخ بمريديه وما ينتظره المتصوف من إشارات، لا دور للإرادة أو للمنطق فيها.

كما ترد في السياق مصطلحات خاصة بالتصوف والمتصوفة، مثل الحال والجذبة والحضرة والفناء وغيرها.

ومن قرأ هذه الرواية تعلم من أحوال المتصوفة ما لا يعلم، وسأتجاوز كل هذه المفردات لأقف عند جوهر العمل الروائي فيها، وأقول من دون تردد، لقد كان عملاً روائياً متميزاً، وجاء هذا التميز بفعل مقومات عديدة، في مقدمتها لغة الرواية التي اتسمت بالثراء والوضوح والرصانة، والقدرة على التعبير من دون افتعال أو تمحل، وإن كانت لم تسلم من بعض هنات طباعية حيناً ولغوية حيناً آخر.

كما نجح الكاتب في الجمع بين عدد من أجناس الكتابة، فيوحدها في النص الروائي ويوحد النص الروائي بها، لذا فقد عشت معها متعة القراءة، وهي قادرة على أن توفر للمتلقي قراءة ممتعة.

كاتب عراقي

16