موت فلسفيٌّ وعشق أخير

الخميس 2014/01/30

يظلّ الفيلسوف حكيما حتّى في مواجهة موته. هذا هو الدّرس الأخير لأب الفلسفة سقراط. نعم، بعض الفلاسفة أعوزتهم شجاعة النهاية، سارتر مثلا، بل حتى ديريدا في مرض موته يعترف بصدق كبير أنه لم يتعلم الموت في الوقت المناسب، وقد فاته ذلك! والمسألة في الأخير مسألة حفظ للكرامة الإنسانية في لحظات الوداع، لكن من طبيعة الفيلسوف ألا يقبل أن يُجَرجَره الموت حين يكون عليه أن يغادر الحياة. وفعلا، فلاسفة كثيرون نجحوا في إنجاز موتهم الجسدي بكبرياء سقراطي.

تقول الحكاية: عندما همّت بطرق الباب، لاحظتْ وجود عبارة، تقول: “أخبروا الشرطة”. تردّدتْ قليلا ثم تراجعت خطوات إلى الخلف وهي تشعر بأنّ مكروها قد يكون في الداخل. أخرجت هاتفها المحمول واتصلت برجال الأمن. وما هي إلا لحظات حتى تمكنت الشرطة من اقتحام المنزل.

في الداخل كان الفيلسوف الفرنسي أندريه كورز رفقة زوجته دورين، جثتين هامدتين وراقدتين على الفراش كقطرتي ندى متلاصقتين. بجوارهما كانت رسالة عشق أخيرة، هي آخر ما كتب وآخر ما قرأت. في تلك الرسالة يعترف الزّوج بأنه كتبها والدّموع تنهمر من مقلتيه، معبرا عن مشاعر عشق طويل لزوجة كان رفيقها الثاني مرض فتاك حمّلها ألما لم تعد تقوى على تحمله حتى وهي بين أحضان فيلسوف يعشقها حدّ الثمالة.

كانت هي في سن الثالثة والثمانين، وكان هو في سن الرّابعة والثمانين، وكان بينهما عشق تخطى بكبرياء إلهي حدود الخيال المتاح والجنون المباح. وفي ذلك اليوم، 22 سبتمبر 2007، كانا يملكان ما يكفي من العشق لتحطيم الحدود الوهمية بين الحياة والموت. قبلة أخيرة، ثم رقاد أبدي، ثم سلام أخير، وأيّ سلام!

قبل انتحارهما بالسم، كان الزوج أندريه كورز قد ألف كتابه الأخير، حول شريكة حياته، كان العنوان طفوليا: “قصة حب”. وكان مبتغاه أن يشحن جسد الزّوجة السقيم بكل مشاعر الحب التي قد تعينها في مواجهة مرض فتاك، كانت رائحة الموت تنتشر في أرجاء بيتهما الصغير والجميل، ولم يكن في رفقتهما غير لهيب الحب الأسطوري والذي لم تزده سنوات الشيخوخة إلاّ اشتعالا. في كل ليلة جديدة وتحت جنح الظلام كانت تجري أطوار عراك صامت بين لهيب العشق وصقيع الموت.

ومع توالي الليالي ومرور الأيام، وَهن العظم وبدأ الموت والألم يزحفان على كامل جسد زوجة أنهكتها سنوات السقم، وبدا وكأنّ النهاية تدنو وتقترب، إلى أن جاء اليوم الذي لم يعد فيه الجسد قادرا على تحمل أوجاعه.

ولأن الزوج وضع هذا اليوم في الحسبان، فقد سجل في كتابه الأخير اعترافا صريحا بما سيقدمان على فعله: “لا نريد أن يستمرّ أي أحد منا بعد وفاة الآخر. ولو صحّ وجود حياة أخرى لتمنّينا أن نعيشها مع بعض”.. وداعا.

24