موت لا تسبقه توطئة

لم يكن “كورونا” الخبيث المغلق على أسراره، في أي حُسبان. لكنه جاء كغراب البَيْن، فعطل سنن الحياة، وهزّ أرجوحة الموت، وأخاف المشيعين الأحياء، وبدأ سريعاً في قطع الأرزاق!
الأحد 2020/04/05
موت مفاجئ

ليس هناك ما يُروى، عن اللحظات الأخيرة، التي سبقت موت أي امرئ، ممن سقطوا بلدغات الأفعى الغامضة، في لحظة من الأيام القصيرة، التي عاشوها بين الأمل والألم الفُجائييْن . فلا مشيعين، يمكن أن يُسألوا،عن جنازة أحدٍ منهم، أو عن دموع الثكالى لحظة رقدته الأخيرة. المشيعون المُفترضون، انهمكوا في دفع الموت المتربص، وفي إرجاء المَنيّة الآتية حتمًا،عاجلاً أم آجلاً!

الناس الذين فاجأتهم الجائحة، اطمأنوا إلى ما قاله العلماء، الذين تنبأوا وحذروا: الخطر القادم، ربما يصل في العام 2050 عندما يبلغ التغير المناخي ذروته، وينحسر الهواء النقي في مناخات الدنيا، ما لم يكافح الإنسان التغير المناخي، لكي لا يتردى الهواء بالعوادم، وتتسمم التربة والمياه والغذاء، وينهار الاقتصاد وينزح الناس إلى أراضي الناس!

درجات الحرارة ترتفع، الهواء يتدرج ارتفاعًا في الحرارة والتلوث، حتى بعد إغلاق آخر أفران الفحم الحجري قبل عشر سنوات. فالملوثات البشرية تتصاعد، حتى أصبح بعض الناس في الهند -مثلاً- يستعينون بالكمامات من غير وباء. مئات الملايين هناك تُعد طعامها في الهواء الطلق، بإحراق الزيوت. ووسائل المواصلات الأكثر استخدامًا، في حركتها الكثيفة، تنفث أدخنتها، والأموات يُحرقون، ومداخن المعامل لا تكف عن الزفير بالشحار!

على الرغم من ذلك، ظل الناس يمتلكون القدرة على تأخير الموت. لكن الأحياء اليوم، لا يقلقون على أحياء الغد، علمًا بأن العلماء يتوقعون أن تعود الأوبئة القديمة، عندما يتفاقم التغير المناخي: الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا، وأمراض الجهاز التنفسي، وسوء التغذية.

لم يكن “كورونا” الخبيث المغلق على أسراره، في أي حُسبان. لكنه جاء كغراب البَيْن، فعطل سنن الحياة، وهزّ أرجوحة الموت، وأخاف المشيعين الأحياء، وبدأ سريعاً في قطع الأرزاق!

الموت الأسود، نفسه، المأساوي والسابق الذي سجلت وقائعه مخيلات الروائيين العظام؛ بات أقل إيلامًا. كان لكل ميتة قصة وتوطئة. اليوم، لا يملك الروائي ولا الشاعر، في ظروف حجرهما الصحي وتدابير الوقاية، ترف الكتابة عن الموت الجديد. فلو كان الروائيون العظام، أحياء يُرزقون، لتخلوا عما كتبوا. ولن يكون بمقدور توليستوي أن يظل مولعًا بالموت، مبهورًا به، من واقع إحساسه العميق بالعدم، كحقيقة أخيرة. ففي مشهد انتحار “آنا كارينا” كتب في روايته أروع قطعة أدبية عن الموت اليسير. أيضًا لن يتمسك فيكتور هوغو برأيه أن الموت هو الطريق للوصول إلى الحرية والكمال الأعظم، لكي يتعمد تصويره بشكل هادئ!

فالموت الجديد، ليست له توطئة، ولن تكون له ذاكرة، وليس لضحاياه جنائز حاشدة ولم يتعرف أحد على خباياه حتى الآن!

24